قول صاحب الجنيد : ومن العالم حتى يذكر مع اللّه .
فهو كما ذكرنا مقام الوصلة وحال وله أهل الفناء عن أنفسهم ، ولو قال كما قال له الجنيد ، لكان أرفع من المقام الذي كان فيه ؛ فاعلم أن الاسم الإلهي المغني ، هو الذي يعطي مقام الغنى للعبد بما شاء اللّه ، مما تستغني به نفسه ، والغنى وإن كان للّه ، فهو محل الفتنة العمياء ، فإنه يعطي الزهو على عباد اللّه ، ويورث الجهل بالعالم وبنفسه ، كما قال صاحب الجنيد : ومن العالم حتى يذكر مع اللّه ؛ هذا وإن كان الذي قال هذا القول صاحب حال وعلم بأن اللّه ما خاطب عباده إلا بقدر ما جعل فيهم من القبول لمعرفة خطابه ، فيتنوع خطابه ليتسع الأمر ويعم ، فما خلق اللّه العالم على قدم واحدة إلا في شيء واحد ، وهو الافتقار ، فالفقر له ذاتي ، والغنى له أمر عرضي ، ومن لا علم له يغيب عن الأمر الذاتي له بالأمر العارض « 1 » ، والعالم المحقق لا يزال الأمر الذاتي - من كل شيء ومن نفسه - مشهودا له دائما دنيا وآخرة ، فلا يزال عبدا فقيرا تحت أمر سيده ، لا يستغني في نفسه عن ربه أبدا ، فغاية الغنى في العبد أن يستغني باللّه عما سواه ، وليس ذلك عندنا مقاما محمودا في الطريق ، فإن في ذلك قدرا لما سوى الحق ، وتميزا عن نفسه ، وصاحب مقام العبودة ، يسري ذوقه في كل ما سوى اللّه أنه عبد كهو ، لا فرق ، ويرى أن كل ما سوى اللّه محل جريان تعريفات الحق له ، فيفتقر إلى كل شيء ، فإنه ما يفتقر إلا إلى اللّه ، ولا يرى أن شيئا يفتقر إليه في له ، فيفتقر إلى كل شيء فإنه ما يفتقر إلا إلى اللّه ، ولا يرى أن شيئا يفتقر إليه في نفسه ، وإن أفاد اللّه الناس على يديه فهو عن ذلك في نفسه بمعزل ، ويرى أن كل اسم تسمى به شيء مما يعطيه فائدة ، أن ذلك اسم اللّه ، غير أنه لا يطلقه عليه ، حكما شرعيا وأدبا إلهيا .
قول الجنيد : العارف من ينطق عن سرك وأنت ساكت .
( ف ح 3 / 373 )
العارفون باللّه أعرف بالإنسان من نفسه ، لأن العارفين لهم أعين في قلوبهم ، فتحتها لهم المعرفة ، يرون بها منك ما تجهله أنت من نفسك ، لأنه ليست لك تلك العين ، وقول الجنيد : وأنت ساكت ؛ السكوت عدم الكلام ، فمعناه يعرف منك ما لا تعرفه أنت من نفسك ، كالخفي من سوء المزاج ، يعرفه الطبيب منك إذا نظر إليك ولا تعرفه أنت ، وهؤلاء أطباء النفوس . ( ف ح 2 / 292 )
هامش
( 1 ) راجع « أبو الربيع الكفيف المالقي » .