الوقت ، فنادانا الثانية بدين الحنيفية إلا أجبتموني ، فلم يجبه أحد ، فنادانا الثالثة بمعبودكم إلا أجبتموني ، فلم يرد عليه أحد جوابا ، فلما فترنا من السماع ، وهمّ الجنيد بالنزول ، قلنا له : إن هذا الراهب نادانا وأقسم علينا ولم نرد عليه ، فقال الجنيد : ارجعوا بنا إليه لعل اللّه يهديه إلى الإسلام ، فناديناه فنزل وسلم علينا ، فقال : أيما منكم الأستاذ ؟ فقال الجنيد ؛ هؤلاء كلهم سادات وأستاذون ، فقال : لابد أن يكون واحد هو أكبركم ، فأشاروا إلى الجنيد ، فقال : أخبرني عن هذا الذي فعلتموه ، هو مخصوصين في دينكم أو معموم ؟ فقال :
بل مخصوصين ، فقال الراهب : لأقوام مخصوصين أو معمومين ؟ فقال : بل لأقوام مخصوصين ، فقال : بأي نية يقومون ؟ فقال : بنية الرجاء والفرح باللّه تعالى ، فقال : بأي نية تسمعون ؟ فقال : بنية السماع من اللّه تعالى ، فقال : بأي نية تصيحون ؟ فقال : بنية إجابة العبودية الربوبية ، لما قال تعالى للأرواح
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا
قال : فما هذا الصوت ؟ قال : نداء أزلي ، فقال : بأي نية تقعدون ؟ قال : بنية الخوف من اللّه تعالى ، قال :
صدقت ؛ ثم قال الراهب للجنيد : مد يدك أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم عبده ورسوله ؛ وأسلم الراهب وحسن إسلامه ، فقال له الجنيد : بم عرفت أني صادق ؟ قال : لأني قرأت في الإنجيل المنزل على المسيح ابن مريم ، خواص أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم يلبسون الخرقة ، ويأكلون الكسرة ، ويرضون بالبلغة ، ويقومون في صفاء أوقاتهم ، باللّه يفرحون ، وإليه يشتاقون ، وفيه يتواجدون ، وإليه يرغبون ، ومنه يرهبون ؛ فبقي الراهب معنا ثلاثة أيام على الإسلام ثم مات رحمه اللّه . ( ف ح 4 / 549 )
قول الجنيد في التوحيد : إن كنت أجريه فأنا أمليه .
سئل الجنيد عن التوحيد فأجاب بكلام لم يفهم عنه ، فقيل له : أعد الجواب فإنا ما فهمنا ، فقال جوابا آخر ، فقيل له : وهذا أغمض علينا من الأول ، فأمله علينا حتى ننظر فيه ونعلمه ، فقال : إن كنت أجريه فأنا أمليه .
اعلم أن طريق القوم فيما يتكلمون به أو يكتبونه ، إنما هو ما يعطيه الكشف ويمليه الحق ، وإلى ذلك أشار الجنيد بهذا القول إلى أنه لا تعمل له فيه ، وإنما هو بحسب ما يلقى