الجنيد عن المعرفة والعارف : لون الماء لون إنائه ؛ فأثبت الماء والإناء ، فأثبت الحرف والمعنى ، والإدراك ونفي الإدراك ، ففرق وجمع ، فنعم ما قال ، وقد قال تعالى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
فالكاف كاف الصفة ، أي ليس مثل مثله شيء ، فعند بعض العلماء أن لو فرض له مثل لم يماثل ذلك المثل ، فأحرى أن يماثل هو في نفسه ، وعند بعضهم نفى المثل عن المثل المحقق ، وهو قوله تعالى : خلق اللّه آدم على صورته . ( ف ح 2 / 316 ، 597 ، 662 )
واعلم أيدنا اللّه وإياك ، أن القرآن مجدد الإنزال على قلوب التالين له ، دائما أبدا ، لا يتلوه من يتلوه إلا عن تجديد تنزل من اللّه الحكيم الحميد ، وقلوب التالين لنزوله عرش ، يستوي عليها في نزوله إذا نزل ، وبحسب ما يكون عليه القلب ، المتخذ عرشا لاستواء القرآن عليه من الصفة ، يظهر القرآن بتلك الصفة في نزوله ، وذلك في حق بعض التالين ، وفي حق بعضهم تكون الصفة للقرآن ، فيظهر عرش القلب بها عند نزوله عليه ، سئل الجنيد رضي اللّه عنه عن المعرفة والعارف فقال : « لون الماء لون إنائه » ؛ ولو سئل عارف عن القرآن والقلب المنزل عليه ، لأجاب بمثل هذا الجواب . ( ف ح 3 / 127 ) .
واعلم أنه لما لم يتقيد أمر الإله ولا انضبط ، وجهل الأمر ، وتبين أنه لم يكن معلوما في وقت الاعتقاد بأنه كان معلوما لنا ، ولم يحصل في العلم به أمر ثبوتي ، بل سلب محقق ، ونسبة معقولة ، أعطتها الآثار الموجودة في الأعيان ، فلا كيف ولا أين ولا متى ولا وضع ولا إضافة ولا عرض ولا جوهر ولا كم وهو المقدار ، وما بقي من العشرة إلا انفعال محقق ، وفاعل معين ، أو فعل ظاهر من فاعل مجهول ، يرى أثره ولا يعرف خبره ولا يعلم عينه ولا يجهل كونه ، فإنه ما ثمّ من يقع عليه عين ، ولا من يضبطه خيال ، ولا من يحدده زمان ، ولا من تعدده صفات وأحكام ، ولا من تكيّفه أحوال ، ولا من تميزه أوضاع ، ولا من تظهره إضافة ، فهو لا يقبل الصفات ، والعلم يرفع الخيال ، فالذي يحفظه الإنسان إنما هو اعتقاده في قلبه ، فذلك الذي وسعه عن ربه ، فاعلم أنك ما زلت عنك ، ولا عرفت سوى ذاتك ، فالحادث لا يتعلق إلا بالمناسب ، وهو ما عندك منه ، وما عندك حادث ، فما برحت من جنسك ، وما عبدت على الحقيقة سوى ما نصبته في نفسك ، ولهذا اختلفت المقالات في اللّه وتغيرت الأحوال ، فقالت طائفة في العلم به : لون الماء لون إنائه . ( ف ح 2 / 211 )