إليه مما يقتضيه وقته ، ويختلف الإلقاء باختلاف الأوقات ، ومن علم الاتساع الإلهي علم أنه لا يتكرر شيء في الوجود ، وإنما وجود الأمثال في الصور يتخيل أنها أعيان ما مضى ، وهي أمثالها لا أعيانها ، ومثل الشيء ما هو عينه ، فقول الجنيد : إن كنت أجريه فأنا أمليه ؛ يقول :
إني لا أنطق عن هوى ، بل ذلك علم اللّه لا علمي ، فمن علم القرآن وتحقق به علم علم أهل اللّه ، وأنه لا يدخل تحت فصول منحصرة ، ولا يجري على قانون منطقي ، ولا يحكم عليه ميزان ، فإنه ميزان كل ميزان . ( ف ح 2 / 432 ، 200 )
قول الجنيد : إن المحدث إذا قرن - وفي رواية قورن - بالقديم لم يبق له أثر .
قال الجنيد وقد سمع عاطسا يقول : الحمد للّه ؛ فقال له ذلك السيد : أتمها كما قال اللّه رب العالمين فقال العاطس : يا سيدنا ومن العالم حتى يذكر مع اللّه ؟ فقال له : الآن قله يا أخي ، فإن المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق له أثر .
هذا هو المقام الذي تضمحل فيه أحوال السائرين ، وتنعدم فيه مقامات السالكين ، حتى يفنى من لم يكن ، ويبقى من لم يزل ، لا غير يثبت لظهوره ، ولا ظلام يبقى لنوره ، فإن لم تكن تره ، اعرف حقيقة إن لم تكن ، تكن أنت ، إذ كانت التاء من الحروف الزوائد في الأفعال المضارعة للذوات ، وهي العبودية ، فقول العاطس في مقام الوصلة ، وحال وله أهل الفناء عن أنفسهم ، فمن حصل في هذا المقام وشاهد الحق ، غاب عن جميع الخلق ، وغاب عن مشاهدته وعن جميع طلبته ، وعن كل كون ، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ، فمحق الرسوم ودكها ، وأصعق الهمم فملكها ، فبين الحق والصعق ، كما بين الحق والخلق ؛ وأما لو فني عن فنائه ، لما قال « الحمد للّه » لأن في قوله الحمد أثبت العبد ، وهو المعبر عنه بالرداء عند بعضهم ، وبالثوب عند آخرين ، ولو قال « رب العالمين » لكان أرفع من المقام الذي كان فيه ، فذلك مقام الوارثين ، ولا مقام أعلى منه ، لأنه شهود لا يتحرك معه لسان ، ولا يضطرب معه جنان ، أهل هذا المقام في أحوالهم فاغرة أفواههم ، استولت عليهم أنوار