ستروا مقامهم عن العامة ، وانفردوا به عن أشكالهم ، فإن هذا المقام يضر بمن ليس من أهله ، كما يضر رياح الورد بالجعل ، لأن الحال التي هم عليها لا تقبل هذا المقام ولا يقبلها ، فإذا رآهم الناس في العموم لم يعرفوهم ، لأنه ليس على حرفهم « 1 » ، أمر ظاهر يتميز به عن العامة ، وإذا رآهم الناس في الخصوص - كالفقهاء وأصحاب علم الكلام وحكماء الإسلام - قالوا بتكفيرهم ، وإذا رآهم الحكماء الذين لم يتقيدوا بالشرائع المنزلة - مثل الفلاسفة - قالوا إن هؤلاء أهل هوس قد فسدت خزانة خيالهم وضعفت عقولهم ، فلا يعرفهم سواهم ومن اقتطعهم من خلقه إليه ، قال تعالى في المعنى
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
ولهؤلاء حظ وافر في هذه الآية ، حيث جهلهم العام والخاص ، والمسلم وغير المسلم ، فهم الضنائن المصانون بحجب الغيرة ، فلا يعرفهم إلا الحق ، وهل يعرف بعضهم بعضا فيه توقف ، وهم المطلوبون من العباد ، ألحقنا اللّه بهم . ( ف ح 1 / 200 - ح 2 / 591 )
قول الجنيد عن طائفة من الرجال : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
.
للّه طائفة خرجت عن الحركات الحسية وعن الحركات الروحانية العقلية إلى الحركات الإلهية ، وهو قول الجنيد : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ؛ ولكن في الحال التي تحسبها جامدة ، فتنسب الحركة إلى هذا الشخص نسبتها إلى الجناب الأقدس ، في فرحه بتوبة عبده وتبشيشه لمن أتى بيته ، فهذه أحوال إلهية يجب الإيمان بها ، لا يعقل لها كيفية إلا من خصه اللّه بها ، وكانت حركته في سماعه إلهية ، وهي من العلوم التي تنال ولا تنقال . ( ف ح 2 / 368 )
قول الجنيد عن وله الشبلي .
قال الإمام الجنيد في وله الشبلي « 2 » حين قيل له إنه يردّ في أوقات الصلوات ، فإذا فرغ حكم عليه حال الوله ، وحال بينه وبين عقله الذي يعطيه الصحو ، فقال الإمام الجنيد :
الحمد للّه الذي لم يجر عليه لسان ذنب ؛ فلم يضف إليه الذنب ، ولكن يتعلق به لسان
هامش
( 1 ) حرفهم يعني ظاهرهم .
( 2 ) هو أبو بكر جحدر بن الشبلي البغدادي وليس أبا السعود الشبلي .