وإلا سألنا المحدّثين من علماء الشرائع ، لا نسأل أهل الرأي ، فنقول لهم : هل رويتم عن أحد من الرسل ، أنه قال عن اللّه كذا وكذا ؟ فإن قالوا : نعم ؛ فوازنه بما علمت وبما قيل لك ، واعلم أنك وارث ذلك النبي في تلك المسألة ؛ أو ينظر هل يدل عليها القرآن ؟ وهو قول الجنيد : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ؛ فهو الميزان ، وليس يلزم - في هذا الميزان - عين المسألة أن تكون مذكورة في الكتاب أو السنة ، وإنما الذي يطلب عليه القوم ، أن يجمعهما أصل واحد في الشرع المنزل من كتاب أو سنة ، على لسان أي نبي كان ، من آدم عليه السلام إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإن أمورا كثيرة ترد في الكشف على الأولياء في التعريف الإلهي ، لا تقبلها العقول وترمي بها ، فإذا قالها الرسول أو النبي عليه السلام قبلت إيمانا وتأويلا ، ولا تقبل من غيره ، وذلك لعدم الإنصاف ، فإن الأولياء إذا عملوا بما شرع لهم ، هبت عليهم من تلك الحضرة الإلهية نفحات جود إلهي ، وكشف لهم من أعيان تلك الأمور الإلهية - التي قبلت من الأنبياء عليهم السلام - ما شاء اللّه ، فإذا جاء بها هذا الولي كفّر ، والذي يكفره يؤمن بها إذا جاء بها الرسول ، فما أعمى بصيرة هذا الشخص ، وأقل الأمور أن يقول له : إن كان ما تقوله حقا إنك خوطبت بهذا ، أو كشف لك ، فتأويله كذا وكذا ؛ إن كان ذلك من أهل التأويل ، وإن كان ظاهريا يقول له : قد ورد في الخبر النبوي ما يشبه هذا ؛ فإن ذلك ليس هو من شرط النبوة ، ولا حجره الشارع لا في كتاب ولا سنة ، ولا يفتقر الولي في ذلك العلم إلى ملك ولا رسول ، فإنها ليست علوم تشريع ، وإنما هي أنوار فهوم فيما أتى به هذا الرسول ، في وحيه أو في الكتاب الذي نزل عليه أو الصحيفة لا غير ، وسواء علم ذلك الكتاب أو لم يعلمه ، ولا سمع بما فيه من التفاصيل ، ولكن لا يخرج علم هذا الولي عن الذي جاء ذلك الرسول به من الوحي ، عن اللّه وكتابه وصحيفته ، لابد من ذلك لكل ولي صديق برسوله ، إلا هذه الأمة ، فإن لهم - من حيث صديقيتهم بكل رسول ونبي - العلم والفتح والفيض الإلهي بكل ما يقتضيه وحي كل نبي وصفته وكتابه وصحيفته ، وبهذا فضلت على كل أمة من الأولياء ، فلا يتعدى كشف الولي في العلوم الإلهية فوق ما يعطيه كتاب نبيه ووحيه ، قال الجنيد في هذا المقام : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ؛ وقال الآخر : كل فتح لا يشهد له الكتاب والسنة فليس بشيء ؛ فلا يفتح لولي قط إلا في الفهم
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 224
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٢٢٤