أهوى أنا ؛ فإن حال الذهاب عند الطائفة ، غيبة القلب عن حس كل محسوس بمشاهدة المحبوب ، وذلك أن القلب والباطن لا يتمكن « 1 » للعارف ، فكيف للمحب أن يمر عليه نفس أو حال لا يكون المحبوب فيه مشهودا له بعين قلبه ووجوده ؟ ! وما بقي حجاب إلا في الحس بإدراكه المحسوسات ، حيث يراها ليست عين محبوبه ، فيحجبه ، فيطلب اللقاء لأجل هذا الحجاب ، فإذا ذهب المحسوس عن حسه في ظاهر الصورة ، كما يذهب في حق النائم ، انصرف الحس إلى الخيال ، فرأى مثال محبوبه في خياله ، وقرب من قلبه ، فرآه من غير مثال ، لأن الخيال ما بينه وبين المعنى واسطة ولا درجة ، كما أنه ليس بينه وبين المحسوس واسطة ولا درجة ، فهو واسطة العقد ، إليه ينزل المعنى ، وإليه يرتفع المحسوس ، فهو يلقى الطرفين بذاته ، وإليه ينتقل العارف أو المحب من المحسوس ، ليقرب من معنى المحبوب ، فيقول المحب عن نفسه إنه عين محبوبه لاستهلاكه فيه ، فلا يراه غيرا له . ( ف ح 2 / 390 ، 361 )
تحقيق - أنت أنت وهو هو ، فاحذر أن تقول كما قال العاشق : أنا من أهوى ، ومن أهوى أنا ؛ فهل قدر على أن يرد العين واحدة ؟ ! واللّه ما استطاع ، فإن الجهل لا يستطاع ، فأتى بذكره وذكر من يهوى ، فإن من المحال أن تتحد الحقائق ، فليس عين العبد عين الرب ، ففرق واعتقد الفرقان ، تكن من أهل البرهان ، لا بل من أهل الكشف والعيان ، قد علمت أن ثمّ غطاء يكشف وقد آمنت به ، فلا تغالط نفسك بأن تقول : أنا هو وهو أنا ؛ فإنه لولا الفارق لما تميزت عين من عين ، ولا كان ثمّ علم بشيء أصلا ، وقد تميز لنا وبنا وعنا ، كما تميزنا له وبه وعنه ، فعرفنا من نحن ومن هو ، فإن غلبنا حال يقول ذلك الحال بلسانه : أنا من أهوى ، ومن أهوى أنا ؛ فيكفيه من قوة أثر الحدود ، أن فرّق بين أنا وبين من أهوى ، ولو أنه يهوى نفسه ، فحال كونه يهوى وهو الفاعل ، ما هو عين حاله يهوى وهو المفعول ، فبينت الحدود الأحوال ، كما بينت الأعيان . ( ف ح 4 / 401 - كتاب المشاهد - ف ح 4 / 401 )
قال أبو يزيد : الري محال .
الري ما يحصل به الاكتفاء ويضيق المحل عن الزيادة منه ، فاعلم أنه لا يقول بالري إلا من يقول بأن ثمّ نهاية وغاية ، وهم المكشوف لهم عالم الحياة الدنيا ، أو من كان كشفه في
هامش
( 1 ) أي لا يتمكن الغياب عنه .