تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
فاستعجل بالتعريف في هذه الدار فقال : سبحاني ؛ فأنكر عليه ، وإن طلب الدليل فقل : إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أردها عليكم ؛ لأن الحق منزّه الذات لنفسه ، ما تنزه بتنزيه عبده إياه ، العلماء باللّه الحق سبحانه إنما هو علم لا عمل ، إذ لو كان التنزيه من الخلق إلههم عملا ، لكان اللّه - الذي هو المنزه سبحانه - محلا لأثر هذا العمل ، فهو سبحانه لا يقبل تنزيه عباده من حيث أنهم عاملون ، فإنه لا يرى التنزيه عملا إلا الجاهل من العباد ، فإن العالم يراه علما ، وإذا تكلم به إنما تكلم به على جهة التعريف بما هو الأمر عليه في نفسه ، أو لتعليم المتعلم ممن كان لا يعتقد في اللّه أنه بذلك النعت من التنزيه . ( ف ح 4 / 57 - ح 1 / 175 - ح 4 / 262 ، 414 - ح 1 / 344 ) . وجه آخر - الحروف عندنا تقسم تقسيم من يعقل ، لا على طريق التجوز ، بل ذلك على الحقيقة ، فإن الحروف عندنا وعند أهل الكشف والإيمان - حروف اللفظ وحروف الرقم وحروف التخيل - أمم من جملة الأمم ، لصورها أرواح مدبرة ، فهي حية ناطقة تسبح اللّه بحمده ، طائعة ربها ، فمنها ما يلحق بعالم الجبروت ، ومنها ما يلحق بعالم الملكوت ، ومنها ما يلحق بعالم الملك ، فما الحروف عندنا كما هي عند أهل الحجاب ، الذين أعماهم اللّه وجعل على بصرهم غشاوة وهم ينظرون ، كما قال تعالى
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
فإذا قال العبد : لا إله إلا اللّه ؛ كان خلّاقا لهذه الكلمات ، فتسبح خالقها - ويحق لها ذلك - والحق منزّه بالأصالة لا بتنزيه المنزّه ، وقد نسب تعالى الخلق لعبده ، ووصف نفسه بالأحسن فيه ، في قوله
أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
فيعود تسبيح هذه الكلمة - وكل كلمة - على قائلها ، فإذا كان العبد من أهل الكشف لما ذكرناه ، هو الذي نقل عنه من الرجال أنه قال : سبحاني ؛ ولا علم لمن كفره بذلك . ( ف ح 4 / 90 ) واعلم أن سر الحال لا يكون إلا من نعوت الخلق ، ليس من نعوت الحق ، فسر العلم أتم ، وحكمه أعم من سر الحال ، ومن سر الحال نفخ عيسى عليه السلام في الصورة التي أنشأها من الطين فكانت طيرا ، وبسر العلم دعاء إبراهيم عليه السلام الأطيار فأتته سعيا ، فإن كان قوله
بِإِذْنِي
العامل فيه
فَتَنْفُخُ
فهو سر الحال ، وإن كان العامل فيه
فَتَكُونُ
فهو سر العلم ، وهذا لا يعلمه إلا صاحبه وهو عيسى عليه السلام ، وسر العلم أتم من سر
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 198 | محمود محمود الغراب