الوجه الرابع - لما كان الاسم اللّه قد عصمه اللّه أن يسمى به غير اللّه ، فلا يفهم منه عند التلفظ به وعند رؤيته مرقوما إلا هوية الحق لا غير ، فإنه يدل عليه تعالى بحكم المطابقة ، قال أبو يزيد عند ذلك : أنا اللّه ؛ يعني ذلك المتلفظ به في الدلالة على هويته ، يقول رضي اللّه عنه : أنا أدلّ على هوية اللّه من كلمة « اللّه » عليها ، فكما أن لفظة اللّه للذات دليل ، كذلك العبد الجامع الكلي ، فالعبد هو كلمة الجلالة ، وشتان بين مقام المعنى ومقام الحرف الذي وجد له ، قابل تعالى الحرف بالحرف في قوله صلى اللّه عليه وسلم : أعوذ برضاك من سخطك ؛ وقابل المعنى بالمعنى في قوله : وأعوذ بك منك ؛ لذلك قال عليه السلام : إن أولياء اللّه هم الذين إذا رؤوا ذكر اللّه . ( ف ح 4 / 118 - ح 1 / 108 )
قول أبي يزيد : سبحاني .
لما كان الحق منزّها لنفسه ما هو منزه لتنزيه عباده ، لهذا قال من قال من العارفين :
سبحاني ؛ وقد جاء في الخبر الصدق أن أعمال العباد ترجع عليهم ، قال صلى اللّه عليه وسلم : إنما هي أعمالكم ترد عليكم ؛ فمن كان عمله التنزيه عاد عليه تنزيهه ، فكان محله منزها عن أن يقوم به اعتقاد ما لا ينبغي أن يكون الحق عليه ، ومن هنا قال من قال : سبحاني ؛ تعظيما لجلال اللّه تعالى ، فلا بد أن يرجع عليهم هذا المجد الذي مجدوا الحق به ، فيكون لهم في الآخرة المجد الطريف والتليد ، ورجوع أعمالهم عليهم اقتضته حقيقة قوله تعالى
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
بعد ما كانت الدعاوى الكيانية قد أخذته وأضافته إلى الخلق ، فمن رجوع الأمر كله إليه ، رجعت أعمال العباد عليهم ، فالعبد بحسب ما عمل ، فهو المقدّس إذا كان عمله تقديس الحق ، وهو المنزّه بتنزيهه ، والمعظم بتعظيمه ، ولما لحظ أبو يزيد هذه الرجعة عليه قال : سبحاني ؛ فأعاد التنزيه عليه لفظا كما عاد عليه حكما ، فإن المنزّه لا ينزّه ، فإنه إن نزّه فقد نزه عن التنزيه ، فإنه ما له نعت إلا هو فيشبه ، فالتسبيح تجريح ، فسبّحه على الحكاية ، فإنه سبح نفسه وعلم ما أراد بذلك ، فهو تسبيح الأدباء العارفين به سبحانه ، فإن عدم العدم وجود ، وكذلك تنزيه المنزّه عما هو به موصوف ، وأهل التسبيح إذا أشهد أحدهم من سبّحه قال : سبحاني ؛ فما سبح إلا نفسه ، فإن تسبيحه في زعمه ربه يفضحه الشهود ،