وجود الألم عند هذه الأسباب ، لا عين الأسباب ، وكذلك اللذة التي هي نقيض الألم ، هي صفة للملتذ يوصف بها ، وهو النعيم والتنعم ، وله أسباب ظاهرة ، وهي نيل أغراضه كانت ما كانت ، فإنه يتنعم بوجودها إذا حصلت ، فهو صاحب تنعم في مقام تنعيم ، وسمى أسباب وجود اللذة في الملتذ نعيما ، وليس النعيم في الحقيقة إلا اللذة الموجودة في النفس ، وهي أيضا لذات حسية ونفسية ، وأسباب كأسباب الآلام خارجة وقائمة بحسه ، فصاحب أسباب الآلام إذا وجد اللذة والالتذاذ في نفسه ، مع قيام هذه الأسباب الموجبة للآلام عادة ، لم يجب عليه الصبر ، فإنه ليس بصاحب ألم ، وإنما هو صاحب لذة ، متقلب في نعم من اللّه ، فيجب عليه الشكر للتنعم القائم به ، وبالعكس في حصول أسباب النعم يجد عندها الألم ، فيجب عليه الصبر ، قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ما أصابني اللّه بمصيبة ؛ فأثبت أنه مصاب بها ، أي نزلت به مصيبة أي سبب موجب للألم عادة ، فقال : إلا رأيت أن للّه عليّ في تلك المصيبة ثلاث نعم ، النعمة الواحدة حيث لم تكن في ديني ، النعمة الثانية حيث لم تكن أكبر منها ، النعمة الثالثة ما وعد اللّه من الثواب عليها ، فأنا أنظر إليه ؛ فمثل هذا ما يسمى صابرا ، فإنه صاحب نعم متعددة ، فهو ملتذ بمشهوده ، فيجب عليه شكر المنعم ، وبالعكس وهو وجود أسباب اللذة ، فينعم اللّه عليه بمال وعافية ووجود ولد ، أو ولاية جديدة تكون له فيها رياسة وأمر ونهي ، وهذه كلها أسباب تلتذ النفوس بها ، وإذا كانت مطعومات شهية وملبوسات لينة فاخرة ومشمومات عطرة ، فهو صاحب لذة حسية ، فيفكر صاحب هذه الأسباب بما للحق عليه فيها من الحقوق ، من شكر المنعم والتكليف الإلهي في ذلك ، وما يتعين عليه في المال والولد والولاية ، من التصرف في ذلك كله على الوجه المشروع المقرب إلى اللّه ، وإقامة الوزن في ذلك كله ، فعندما يخطر له هذا - وهو الواجب عليه من اللّه أن ينظر في ذلك - أعقبت هذه الأسباب الملذة في العادة هذا الفكر الموجب للألم ، فقام الألم به فهو صاحب بلاء ، لأنه صاحب ألم عن ظهور أسباب نعيم ، فيجب عليه الصبر على ذلك الألم ، ويسعى في أداء ما يجب عليه من الحق في ذلك ، أو يزهد فيه إن أفرط فيه الألم ، فما وقع الصبر إلا في موضعه مع وجود أسباب ضده ، ولا وقع الشكر إلا في موضعه مع وجود أسباب ضده ، ولذا قال أبو يزيد : سوى ملذوذ وجدي بالعذاب ؛ فما أراد بالعذاب هنا
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 194
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص١٩٤