الرحمة في الغضب لا تكون إلا في الحدود المشروعة والتعزير ، وما عدا ذلك فغضب ليس فيه من الرحمة شيء ، فإن الإنسان إذا غضب لنفسه ، فلا يتضمن ذلك الغضب رحمة بوجه ، وإذا غضب للّه ، فغضبه غضب اللّه ، وغضب اللّه لا يخلص عن رحمة إلهية تشوبه . ( ف ح 3 / 281 )
وعلى أي حال فمن جهة التحقيق ، فقول أبي يزيد : بطشي أشد ؛ قول نازل ، فإن العبد إذا كان على مقامه الذي هو عينه مسلوب الأوصاف ، ولم يظهر منه تلبس بصفة محمودة ولا مذمومة ، فهو على أصله ، وأصله الصغار . ( ف ح 3 / 333 )
قال أبو يزيد البسطامي رحمه اللّه :
أريدك لا أريدك للثواب * ولكني أريدك للعقاب
وكل مآربي قد نلت منها * سوى ملذوذ وجدي بالعذاب
وقال العارف : ليس العجب من ورد في بستان ، وإنما العجب من ورد في قعر النيران . ( ف ح 2 / 657 )
المراد في اصطلاح القوم ، هو المجذوب عن إرادته مع تهيؤ الأمور له ، فهو يجاوز الرسوم والمقامات من غير مشقة ، بل بالتذاذ وحلاوة وطيب ، تهون عليه الصعاب وشدائد الأمور ، وينقسم المرادون إلى قسمين : القسم الواحد أن يركب الأمور الصعبة ، وتحل به البلايا المحسوسة والنفسية ، ويحس بها ويكره ذلك الطبع منه ، غير أنه يرى ويشاهد ما له في ذلك في باطن الأمر عند اللّه من الخير - مثل العافية في شرب الدواء الكريه - فيغلب عليه مشاهدة ذلك النعيم الذي في طي هذا البلاء ، فيلتذ بما يطرأ عليه من مخالفة الغرض - وهو العذاب النفسي ومن الآلام المحسوسة - لأجل هذه المشاهدة ، كعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فإنه من أصحاب هذا المقام ، وأما القسم الآخر فلا يحس بالشدائد المعتادة ، بل يجعل اللّه فيه من القوة ما يحمل بها تلك الشدائد ، التي يضعف عن حملها غيرها « 1 » من القوى ،
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل ولعلها « غيره » .