كالرجل الكبير ذي القوة ، فيكلف ما يشق على الصغير أن يحمله ، فما عنده خبر من ذلك ، بل يحمله من غير مشقة ، فإنه تحت قوته وقدرته ، ويحمله الصغير بمشقة وجهد ، فهذا ملتذ بحمله ، فارح بقوته يفتخر بها ، لا يجد ألما ولا يحس به ، كما قال أبو يزيد في بعض مناجاته :
أريدك لا أريدك للثواب * ولكني أريدك للعقاب
وكل مآربي قد نلت منها * سوى ملذوذ وجدي بالعذاب
( ف ح 2 / 524 - ح 1 / 511 )
فطلب اللذة بما جرت العادة به أن يثمر عذابا ، خرقا للعادة ، فما طلب العذاب ، يقول أهل اللّه : ليس العجب من ورد في بستان ، وإنما العجب من ورد في قعر النيران ؛ يقول صاحب هذا الكلام ، ليس العجب ممن يلتذ بما جرت العادة أن يلتذ به الطبع ، وإنما العجب أن يلتذ بما جرت العادة أن يتألم به الطبع ، وقد أنشد في ذلك صاحب محاسن المجالس :
فهل سمعتم بصب * سليم طرف سقيم
منعم بعذاب * معذب بنعيم
( ف ح 2 / 673 )
إبراهيم الخليل عليه السلام في وسط النار يتنعم ويلتذ ، ولو لم يكن عليه السلام إلا في حمايتها إياه من الوصول إليه « 1 » ، فالأعداء يرونها في أعينهم نارا تأجج ، وهو يجدها بأمر اللّه إياها بردا وسلاما عليه ، فأعداؤه ينظرون إليه ولا يقدرون على الهجوم عليه . واعلم أن البلاء المحقق إنما هو قيام الألم ووجوده في نفس المتألم ، ما هو السبب المربوط به عادة ، كوجوب الضرب بالسوط والحرق بالنار والجرح بالحديد ، وما أشبه ذلك من الآثار الحسية ، مما يكون عنها الآلام الحسية ، وكذلك ضياع المال والمصيبة في الأهل والولد ، والتوعد بالوعيد الشديد ، وجميع الأسباب الخارجة عنه ، الموجبة للآلام النفسية عادة ، إذا حصلت بهذا الشخص ، فتسمى هذه الأسباب عذابا ، وليست في الحقيقة عذابا ، وإنما العذاب هو
هامش
( 1 ) لكفى - حذفت لدلالة المعنى عليها .