قرىء على أبي يزيد إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
قال : بطشي أشد .
هذا من علم القهر الإلهي على أيدي الأكوان ، فقول أبي يزيد « بطشي أشد » في هذا المقام ، وقد يكون حال أبي يزيد حال من ينطق باللّه ، فيقول اللّه على لسان عبده عن نفسه :
إن بطشه شديد ، أشد من بطشه بغير لسان عبده ، ثم بطشه على لسان عبده الطبيعي ، أشد من بطشه على لسان عبده الإلهي بما لا يتقارب ، وقال بعض من شرح هذه الكلمة « بطشي أشد » يعني إذا بطش العبد به لا بنفسه ، وإنما قول أبي يزيد عندي فشرحه على خلاف هذا ، فإن بطش العبد بطش معرى عن الرحمة ، ما عنده من الرحمة شيء في حال بطشه ، وبطش الحق بكل وجه ، فيه رحمة بالمبطوش به ، من وجه يقصده الباطش الحق ، فهو الرحيم في بطشه « 1 » ، فبطش العبد أشد لأنه لا تقوم به رحمة بالمبطوش به ، فإن رحمة اللّه مطلقة ، بخلاف بطشه وانتقامه مع شدته ، ولكن لا يبطش بطشا لا يكون فيه رحمة ، لأن قصارى الرحمة فيه إيجاده البطش بعبده ، فوجود البطش رحمة رحم اللّه بها المبطوش به ، إذ أخرجه من العدم إلى الوجود ، فجاء أبو يزيد في هذا المقام ، لما سمع القارئ يقرأ
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
قال أبو يزيد : بطشي أشد ؛ لأن بطش الإنسان إذا بطش لا يكون في بطشه شيء من الرحمة ، لأنه لا يتمكن له أن يبطش بأحد وعنده رحمة به جملة واحدة ، فما يكون ذلك البطش إلا بحسب ما أعطاه محل الباطش ، وإن كان ذلك البطش خلقا للّه ، ولكن ما خلقه إلا في هذا المحل ، فظهر بصورة المحل ، والمحل لا يطلب الانتقام من أحد وفي قلبه رحمة ، ثم إن اللّه إذا بطش بعبده ففي بطشه نوع رحمة ، لأنه عبده بلا شك ، كما أن المخلوق إذا أراد أن يبطش بعبده ، لابد أن يشوب بطشه نوع رحمة ، للمناسبة التي بينه وبين عبده ومملوكه ، لأنه المبقي عليه اسم المالك والسيادة ، فلا يمكن أن يستقصي في بطشه ما يذهب عينه ، فيكون عند ذلك قد بطش بنفسه ، والمخلوق ليس كذلك في الأجنبي ، الذي ليس بينه وبين الباطش نسبة عبودية ، ولا اكتسب من وجوده صفة سيادة ، فإذا بطش من هذه
هامش
( 1 )فبطشه الأقوى على عزه * ينزل في الشدة عن بطشي
لمزجه برحمة لم تضق * فهي لدى بطشي كالخدش( ديوان / 92 ) .