أتم من الإقامة في حضرة النور ، ومسألة الخضر مع موسى في قتل النفس ، أين حكم موسى عليه السلام فيه من حكم الخضر رضي اللّه عنه ؟ وكل واحد له وجه في الحق ومستند ، وهذا حال أهل الشهود ، يشهدون المقدور قبل وقوعه في الوجود ، فيأتونه على بصيرة ، فهم على بينة من ربهم في ذلك ، وهو مقام لا يناله إلا من كان اللّه سمعه وبصره .
( ف ح 3 / 487 - ح 4 / 125 - ح 2 / 512 ، 491 ، 512 - ح 4 / 125 )
فإن قلت : هل يقام على صاحب الشهود الحد ؟ فاعلم أن كل من وصل في هذه الدار الدنيا ، إلى الحد الذي أوجب عليه التكليف ، ببلوغ الحلم وقيام صفة العقل ، إذا كشف عنه الغطاء في هذه الدار ، لم يرتفع عنه التحجير ولا خطاب الشرع ، لحكم الدار لا لحكم الحال ، لأنه كان يعطي القياس ارتفاع التحجير عمن هو بهذه الصفة ، ولكن لابد للدار من حكم ، فإذا جاء وعد الآخرة وانتقلنا إليها ، خرجنا عن حكم الدار ، فارتفع عنا حكم التكليف في دار الرضوان وأختها ، كذلك من أطلعه اللّه هنا في هذه الدار على سعادته ، وأطلع الآخر على شقاوته ، لم تسقط هذه المطالعة عنهما التحجير ولا التكليف ، لأن أصل النواميس في هذه الدار إنما هي لمصلحة الدنيا والآخرة ، فمن المحال رفع التحجير ما دامت الدنيا ودام من فيها ، فلو لا هذا ، لكان من كشف عنه الغطاء ارتفع عنه التحجير ، لأنه لا يرى فاعلا إلا اللّه ، والشيء لا يحجر على نفسه ، والولي مهما خرج عن ميزان الشرع الموضوع - مع عقل التكليف عنده - سلّم له حاله ، للاحتمال الذي في نفس الرحمن في حقه ، وهو موجود أيضا في الميزان المشروع ، فإن ظهر بأمر يوجب حدا في ظاهر الشرع ، ثابت عند الحاكم ، أقيمت عليه الحدود ولا بد ، ولا يعصمه ذلك الاحتمال الذي في نفس الأمر ، أن يكون من العبيد الذين أبيح لهم فعل ما حرم على غيرهم شرعا ، فأسقط اللّه عنهم المؤاخذة ، ولكن في الدار الآخرة ، فإنه قال في أهل بدر ما قد ثبت من إباحة الأفعال ، وكذلك في الخبر الوارد : افعل ما شئت فقد غفرت لك ؛ ولم يقل أسقطت عنك الحد في الدنيا ، والذي يقيم عليه الحد مأجور ، وهو في نفسه غير مأثوم ، فعليك أن تقيم الحد إذا كنت من أولي الأمر فيمن عين لك أن تقيمه ، حتى لو تركته كنت عاصيا مخالفا أمر اللّه .
( ف ح 3 / 480 - ح 2 / 370 - ح 4 / 235 ، 47 )
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 189
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص١٨٩