تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
أن لهم ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ، فقيل لهم على سماع منهم لهذا القول : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ؛ وكأهل بدر ، ففنيت عنهم أحكام المخالفات فما خالفوا ، فإنهم ما تصرفوا إلا فيما أبيح لهم ، فإن الغيرة الإلهية تمنع أن ينتهك المقربون عنده حرمة الخطاب الإلهي بالتحجير ، وهو غير مؤاخذ لهم ، لما سبقت لهم به العناية في الأزل ، فأباح لهم ما هو محجور على الغير ، وسائر من ليس له هذا المقام لا علم له بذلك ، فيحكم عليه بأنه ارتكب المعاصي ، وهو ليس بعاص بنص كلام اللّه المبلغ على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإن كان العارف ممن قيل له على لسان الشارع : افعل ما شئت فقد غفرت لك ؛ فما عصى لا ظاهرا ولا باطنا عند اللّه ، وإن كان لسان الظاهر عليه بالمعصية ، لأنه لم يدرك نسخ ذلك بالإباحة من الشارع ، فلسان الظاهر ، كمجتهد مخطىء يرى إصابة غيره من المجتهدين خطأ ، اعتمادا منه على دليله ، فمن كان هذا مقامه فما فعل فعلا يوجب له الحياء ، مع لسان الظاهر عليه بالمعصية ، فالصورة واحدة والحكم مختلف ، والقسم الآخر رجال أطلعوا على سر القدر وتحكمه في الخلائق ، وعاينوا ما قدر عليهم من جريان الأفعال الصادرة منهم ، من حيث ما هي أفعال ، لا من حيث ما هي محكوم عليها بكذا أو كذا ، وذلك في حضرة النور الخالص ، الذي منه يقول أهل الكلام أفعال اللّه كلها حسنة ، ولا فاعل إلا اللّه ، فلا فعل إلا للّه ، وتحت هذه الحضرة حضرتان : حضرة السدفة وحضرة الظلمة المحضة ، وفي حضرة السدفة ظهر التكليف ، وتقسمت الكلمة إلى كلمات ، وتميز الخير من الشر ، وحضرة الظلمة هي حضرة الشر الذي لا خير معه ، وهو الشرك والفعل الموجب للخلود في النار وعدم الخروج منها ، فلما عاين هؤلاء الرجال من هذا القسم ما عاينوه من حضرة النور ، بادروا إلى فعل جميع ما علموا أنه يصدر منهم ، وفنوا عن الأحكام الموجبة للبعد والقرب ، ففعلوا الطاعات ووقعوا في المخالفات ، كل ذلك من غير نية لقرب ولا انتهاك حرمة ، فهذا فناء غريب أطلعني ( أي الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ) اللّه عليه بمدينة فاس ، ولم أر له ذائقا ، مع علمي بأن له رجالا ، ولكن لم ألقهم ولا رأيت أحدا منهم ، غير أني رأيت حضرة النور وحكم الأمر فيها ، غير أنه لم يكن لتلك المشاهدة فينا حكم ، بل أقامني اللّه في حضرة السدفة ، وحفظني وعصمني ، فلي حكم حضرة النور وأقامني في السدفة ، وهو عند القوم
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 188 | محمود محمود الغراب