تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ
فأخبر تعالى أن العلماء هم الموحدون على الحقيقة ، والتوحيد أشرف مقام ينتهى إليه ، وليس وراءه مقام ، فمن زلت قدمه عن صراط التوحيد رسما أو حالا وقع في الشرك ، فمن زلت قدمه في الرسمي فهو مؤبد الشقاء ، لا يخرج من النار أبدا ، لا بشفاعة ولا بغيرها ، ومن زلت قدمه في الحال ، فهو صاحب غفلة يمحوها الذكر وما شاكله ، فإن الأصل باق ، يرجى أن يجبر فرعه بمنّ اللّه تعالى وعنايته ، وليس الفرع كذلك ، وكقوله جل تعالى في صاحب موسى عليه السلام
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
وهو علم الإلهام ، فالعالم أيضا صاحب إلهام وأسرار ، وكقوله تعالى
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
فالعالم أيضا صاحب خشية ، وكقوله تعالى
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
فالعالم أيضا صاحب الفهم عن اللّه بحكم آيات اللّه وتفاصيلها ، وكقوله تعالى
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
فالعالم هو الراسخ الثابت ، الذي لا تزيله الشبه ولا تزلزله الشكوك ، لتحققه بما شاهد من الحقائق بالعلم ، كقوله تعالى
أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ
فالعلماء هم الذين علموا الكائنات قبل وجودها ، وأخبروا بها قبل حصول أعيانها ، وهي الصفة الشريفة التي أخبر اللّه تعالى نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالزيادة منها ، فقال تعالى
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
ولم يقل له ذلك في غيره من الصفات ، فما أشرفها من صفة حبانا اللّه بالحظ الوافر منها ، وكيف لا يفرح بهذه الصفة ويهجر من أجلها الكونان ؟ ! ولها شرفان كبيران عظيمان : الشرف الواحد أن اللّه تعالى وصف بها نفسه ، والشرف الثاني أنه مدح بها أهل خاصته من أنبيائه وملائكته ، ثم منّ علينا سبحانه - ولم يزل مانا - بأن جعلنا ورثة أنبيائه فيها ، فقال عليه الصلاة والسلام : العلماء ورثة الأنبياء ؛ فلأي شيء يا قوم ننتقل من اسم سمانا اللّه تعالى به ونبيه ، إلى غيره ونرجحه عليه ، ونقول فيه عارف وغير ذلك ، واللّه ما ذاك إلا من المخالفة التي في طبع النفس ، حتى لا توافق اللّه تعالى فيما سماها به ، ورضيت أن تقول فيه عارف ولا تقول عالم ، نعوذ باللّه من حرمان المخالفة ، ولو لم يكن في المعرفة من النقص عن درجة العلم في اللسان العربي ، إلا أنها تعطيك العلم بشيء واحد ، فلا يحصل لك سوى فائدة واحدة ، لأنها تتعدى إلى مفعول واحد ، والعلم يعطيك فائدتين لتعديه إلى مفعولين ، ثم انظره في قوله تعالى
لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ
لما ناب هنا العلم مناب المعرفة وجعل بدلا منها ، تعدى إلى مفعول واحد ،