فلحقه الحرمان بالنيابة ، وإن كان العلم والمعرفة في الحد والحقيقة على السواء ، من كشف الشيء على ما هو عليه ، فما لنا لا نبقى على ما سمانا به الحق سبحانه ونخالف ؟ بل واللّه أقول : إن هذا القائل بإطلاق المعرفة في الموضع الذي يجب فيه إطلاق العلم بلزوم الأدب الإلهي ، أنه لو تحقق في الورث النبوي ، ما سمى ذلك المقام إلا علما ، ولا سمى صاحبه إلا عالما ، كما فعل سهل بن عبد اللّه حين قال : لا يكون العبد باللّه عارفا إلا إن كان به عالما ، ولا يكون به عالما إلا إن كان رحمة للخلق ؛ ثم قال بعد هذا : والسماء رحمة للأرض ، وبطن الأرض رحمة لظهرها ، والآخرة رحمة للدنيا ، والعلماء رحمة للجهال ، والكبار رحمة للصغار ، والنبي عليه الصلاة والسلام رحمة للخلق ، واللّه عز وجل رحيم بخلقه ؛ فتأمل وفقك اللّه أين جعل سهل العالم ؟ وفي أي مقام أنزله ؟ وبمن شبهه ؟ وسهل بن عبد اللّه حجة اللّه على الصوفية المحققين ، وإنما قال سهل في كلامه الذي ذكرنا : لا يكون العبد باللّه عارفا ؛ حتى يكون الجاري على ألسنة القوم ، فأعطاه ما تواطؤوا عليه أن يذكر ما ذكروه ، حتى يفهم عنه ، وأعطاه الأدب الإلهي والمقام ، أن لا يسميه إلا عالما ، يقول سهل رضي اللّه عنه : للعالم ثلاثة علوم : علم ظاهر يبذل لأهل الظاهر ، وعلم باطن يمنع إظهاره إلا لأهله ، وعلم هو سر بين العالم وبين اللّه ، هو حقيقة إيمانه لا يظهره لأهل الظاهر ولا لأهل الباطن ؛ فانظر كيف أطلق سهل عليه اسم العالم وعلى ذلك العلم ، ولم يقل العارف ولا المعرفة ، للأدب الذي ذكرنا آنفا ، فلما نقص غيره عن ذلك المقام الشريف ، ولم تتعلق همته إلا بشيء واحد ، إما بربه وإما بنفسه ، أعطاه المقام بذاته أن سمى نفسه عارفا ، فإن الكمال على الحقيقة إنما هو فيمن شاهد ربه ونفسه .
ومما يؤيد ما ذكرناه في حق العارف أنه دون العالم الصدّيق ، لو شرح اللّه صدر من فضّله على العالم وتأدب مع الحق - إذ هم أهل الأدب معه بشرط الحضور - أن اللّه تعالى ما سمى عارفا ، إلا من كان حظه من الأحوال البكاء ، ومن المقامات الإيمان بالسماع لا بالأعيان ، ومن الأعمال الرغبة إليه سبحانه ، والطمع في اللحوق بالصالحين ، وأن يكتب مع الشاهدين ، فقال تعالى
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
ولم يقل علموا فوصفهم بالمعرفة
يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ،