الآخرة ، واليوم الثالث زهدت في كل ما سوى اللّه ، فنوديت : ماذا تريد ؟ فقلت : أريد أن لا أريد ، لأني أنا المراد وأنت المريد ؛ ( ف ح 1 / 469 - ح 2 / 19 )
الإرادة عند القوم لوعة يجدها المريد من أهل هذه الطريقة ، تحول بينه وبين ما كان عليه مما يحجبه عن مقصوده ، والإرادة عند أبي يزيد ترك الإرادة ، وذلك قوله : أريد أن لا أريد ؛ فأراد محو الإرادة من نفسه ، وقال هذا القول في حال قيام الإرادة به ، فإن الإنسان لا يخلو نفسا واحدا عن طلب يقوم به لأمر ما ، وإذا كانت حقيقة الإنسان ظهور الطلب فيه ، فليجعل متعلق طلبه مجهولا غير معين ، إلا من جهة واحدة ، وهو أن يكون متعلق طلبه ما يحدثه اللّه في العالم ، نفسه أو في غيره ، فما وقعت عليه عينه ، أو تعلق به سمعه ، أو وجده في نفسه ، أو عامله به أحد ، فليكن ذلك عين مطلوبه المجهول ، قد عيّنه له الوقوع ، فيكون قد وفّى حقيقة كونه طالبا ، وتحصل له اللذة بكل واقع منه أو فيه ، أو من غيره أو في غيره ، فإن اقتضى ذلك الواقع التغيير له ، تغير لطلب الحق منه التغير ، وهو طالب الواقع ، والتغير هو الواقع ، وليس بمقهور فيه ، بل هو ملتذ في تغييره ، كما هو ملتذ في الموت للتغير ، فمن طلب المحال قال : أريد أن لا أريد ؛ وإنما الطلب الصحيح الذي تعطيه حقيقة الإنسان ، أن يقول : أريد ما تريد ؛ وأما طريقتها في العموم فسهل على أهل اللّه ، وذلك أن الإنسان لا يخلو من حالة يكون عليها ، ويقوم فيها ، عن إرادة منه ، وعن كره بأن يقام فيها من غير إرادة ، ولا بد أن يحكم لتلك الحال حكم شرعي يتعلق بها ، فيقف عند حكم الشرع ، فيريد ما أراده الشرع ، فيتصف بالإرادة لما أراد الشرع خاصة ، فلا يبقى له غرض في مراد معين ، وكذلك من قال : إن العبد ينبغي أن يكون مع اللّه بغير إرادة ؛ لا يصح ، وإنما يصح لو قال :
إن العبد من يكون متعلق إرادته ما يريد الحق به ؛ إذ لا يخلو عن إرادة ، ولو أن الإنسان يصرف غرضه إلى ما أراده له خالقه لاستراح ، فقيل لأبي يزيد « ما تريد ؟ » قال « أريد أن لا أريد » أي اجعلني مريدا لكل ما تريد ، حتى لا يكون إلا ما يريد الحق ، فما يريد بعباده إلا اليسر ولا يريد بهم العسر ، ويريد لهم الخير وليس إليه الشر ، فإن خروج الإنسان عن أن يكون مريدا محال ، وأنه أول ما كان يقدح ذلك في الطاعات ، فيفعلها من غير نية مشروعة فلا تكون طاعة ، وإنما طلب أبو يزيد الخروج عن الأغراض النفسية ، التي لا توافق مرضاة
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 178
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص١٧٨