وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ، فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
فأخبر تعالى أن سماعهم من الكتاب الكبير لا من أنفسهم ، ومعنا إشارة يفهمها أصحابنا ، ثم قال
فَأَثابَهُمُ
ولم نشك أن الصديقية درجة فوق هاتين الصفتين ، اللتين طلب العارف أن يلحق بهما ، فهو دونهما وقد سمي عارفا ، وقال تعالى
فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ
فانظر إلى هذه الدرجات ، ثم لتعلم أن الشهداء الذين رغب العارف أن يلحق بهم ، هم العاملون على الأجرة وتحصيل الثواب ، وأن اللّه عز وجل قد برأ الصديقين من الأعواض وطلب الثواب ، إذ لم يقم بنفوسهم ذلك ، لعلمهم أن أفعالهم ليست لهم أن يطلبوا عليها عوضا ، بل هم عبيد على الحقيقة والأجراء مجازا ، قال عز وجل
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ
ولم يذكر لهم عوضا على عملهم ، إذ لم يقم لهم به خاطر أصلا لتبريهم من الدعوى ، ثم قال
وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ
وهم الرجال الذين رغب العارف أن يلحق بهم ويرسم في ديوانهم ، وقد جعلهم تعالى في حضرة الربوبية ، ولم يشترط في إيمان الصديقين السماع كما فعل بالعارفين ، حكمة منه سبحانه ، أن نتعلم الأدب وكيف ترتب الوجود ، حتى ننزل كل موجود منزلته ، وأين تقتضيه مرتبته ، ونقتصر على الاسم الذي سماه به الحق وعرفناه ، فعلم الأسماء عظيم وفيه يظهر أدب أهل طريق اللّه مع اللّه ، وبه صح الشرف لأبينا نبي اللّه آدم صلى اللّه عليه وسلم ، فصاحب الأدب المراعي حرمة الحضرة الإلهية ، يقف عندها ويمشي معها ، فإذا رمزت له شيئا لم تعرّفه باسمه ، حينئذ له أن يصطلح مع نفسه بما يقارب معناه إن كان حكيما . ثم انظر بعين البصيرة أدب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أين جعل العارف ، حيث جعله الحق ، فقال : من عرف نفسه عرف ربه ؛ ولم يقل : علم ، فلم ينزله عن حضرة الربوبية ، ولا عن حضرة نفسه التي هي صاحبة الجنة ، كما قال
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ
فالعارف صاحب الشهوة المحمودة ، تربيه بين يدي العالم الصديق ، فتأدب يا غافل عن ملاحظة الحقائق .
والعذر أو الاعتذار عن أصحابنا ، في تسميتهم صاحب المقام - الذي ذكرناه آنفا - عارفا ، ولم يسموه عالما كما قررنا ، وهو كان الأولى والأسد من كل وجه ، ولا عذر لمن تحقق