فإن الإنسان تختلف عليه الأحوال مع اللّه في تلاوة القرآن ، إذا كان من أهل اللّه ممن يتدبر القرآن ، فآية تحزنه فيبكي ، وآية تسره فيضحك ، وآية تبهته فلا يضحك ولا يبكي ، وآية تفيده علما ، وآية تجعله مستغفرا وداعيا . ( ف ح 2 / 558 ، 187 - ح 1 / 356 ) .
واعلم أن الأرواح لو تجردت عن المواد ، لما صحّت البشائر في حقها ، ولا حكم عليها سرور ولا حزن ، ولكان الأمر لها علما مجردا من غير أثر ، فإن الالتذاذ الروحاني إنما سببه إحساس الحس المشترك ، مما يتأثر له المزاج من الملائمة وعدم الملائمة وبالقياسات ، وأما الأرواح بمجردها فلا لذة لها ولا ألم ، وقد يحصل ذلك لبعض العارفين في هذا الطريق ، قال أبو يزيد : ضحكت زمانا وبكيت زمانا ، وأنا اليوم لا أضحك ولا أضحك ولا أبكي ؛ وهو عين ما قلناه ، فإنه وقف مع مجرد روحه من غير نظر إلى طبيعته ، فما شاهد إلا علما محضا ، واعلم أن النعيم لا يصح أصلا في غير مظهر ، فإنه فناء ليس فيه لذة ، فإذا تجلى الحق في المظاهر وقعت اللذات والآلام ، وسرت في العالم ، فلا يوجد النعيم أبدا إلا في مركب ، وكذلك العذاب ، فالخوف كله من التركيب ، والآفات كلها إنما تطرأ على الشخص من كونه مركّبا ، والخروج عن التركيب يعقل ، وليس بواقع في العالم أصلا المركب « 1 » ، وأما النعيم والعذاب البسيط فلا حكم له في الوجود ، فإنه معقول غير موجود ، لهذا قال أبو يزيد إنه لا صفة له ، فإنه أقيم في معقولية بساطته ، فلم ير تركيبا ، فقال : لا صفة لي ؛ فصدق ، ولكنه غير واقع في الوجود الحسي العيني ، فما ثمّ إلا مركب ، فأهل المظاهر هم أهل النعيم والعذاب ، وأهل أحدية الذات لا نعيم عندهم ولا عذاب ، وهم أهل اللّه الذين لا يصلحون إلا للّه لا لغيره ، فإن للجنة أهلا هم أهلها لا يصلحون إلا لها ، لا يصلحون للّه وإن جمعتهم حضرة الزيارة ، ولكن هم فيها بالعرض ، وكل طائفة لها شرب وذوق ، فإذا رأيت عارفا تأتي عليه أسباب الالتذاذ وأسباب التألم ، ولا يلتذ ولا يتألم لا بالمحسوس ولا بالمعقول في اقتناء العلوم الملذة ، فتعلم أن وقته التجرد التام عن طبيعته ، وهذا أقوى التشبه الذي يسعى إليه العلماء باللّه ، وواجده قليل ، والقليل الذي يجده ، قليل الاستصحاب لهذا الوجدان ، وإنما اللّه يكرم به
هامش
( 1 ) يوجد تقديم وتأخير والمعنى : وليس بواقع أصلا في العالم المركب .