يخرج عن مقام الحزن ، إلا من أقيم في مقام سلب الأوصاف عنه ، كما قيل لأبي يزيد : كيف أصبحت ؟ قال : لا صباح لي ولا مساء ، إنما هي لمن تقيد بالصفة ، وأنا لا صفة لي ؛ وذلك لما سأله بكيف وهي للحال ، وهي من أمهات المطالب الأربعة ، وما قصد أبو يزيد التمدح بهذا القول ، وإنما قصد التعريف بحاله ، فإن الصباح والمساء لله لا له ، وهو المقيد تعالى بالصفة ، والعبد العنصري مقيد بالصباح والمساء غير مقيد بالصفة ، ولهذا نفى الصفة فقال : لا صفة لي ؛ قال تعالى
لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
فالصباح والمساء يملكه ، ولا ملك لأبي يزيد عليهما ، لأنهما بالصفة يملكان ، وأبو يزيد لا صفة له ، فمن لا علم له بالمقام يتخيل أن أبا يزيد تأله في هذا القول ، ولم يقصد ذلك رضي اللّه عنه ، بل هو أجلّ من أن يعزى إليه مثل هذا التأويل في قوله هذا ، فإن قال من يتأول عليه خلاف ما قلناه ، من أنه تأله في قوله بقوله : ضحكت زمانا وبكيت زمانا ، وأنا اليوم لا أضحك ولا أبكي ؛ ( ف ح 2 / 133 ، 386 - ح 1 / 223 - ح 2 / 187 ) فلينظر شرح ذلك فيما يلي :
قول أبي يزيد : أنا اليوم لا أضحك ولا أبكي .
قال أبو يزيد : ضحكت زمانا وبكيت زمانا ، وأنا اليوم لا أضحك ولا أبكي ؛ اعلم أنه ثمّ تجل يضحك وتجل يبكي ، والبوادة في اصطلاح القوم هي فجأة إلهية ، تفجأ القلوب من حضرة الغيب بحكم الوقت ، ولا تأتي إلا أن تعطي فرحا في القلب أو حزنا ، فتضحك وتبكي ، وهو قول أبي يزيد : ضحكت زمانا وبكيت زمانا ؛ يريد أنه كان في حكم البوادة ، ثم قال : وأنا اليوم لا أضحك ولا أبكي ؛ يعرّف بانتقاله من تأثير حال البوادة فيه إلى حال العظمة ، ولا تكون البوادة إلا فيمن يتصف ، ومن لا وصف له لا بديهة له ، فقول أبي يزيد هذا ، تعريف أنه انتقل عن مقام الضحك ومقام البكاء إلى المقام الذي بينهما ، فإنهما من الأمور المتقابلة ، التي ما يكون بينهما واسطة ، كالنفي والإثبات ، لا كالوجود والعدم والحار والبارد ، فإن بينهما واسطة تأخذ من كل طرف بنسبة تميزه عن الطرفين ، وكذلك إذا لم يكن الشخص في موجب ضحك ، ولا موجب بكاء ، كحالة البهت لأهل اللّه ، فهو لا ضاحك ولا باك ، فوصفه البهت والتعري على الموجبين ، فأراد أبو يزيد التعريف ما أراد التمدح ،