صفة الوجود إلا منه تعالى ، فما سماه باسم إلا وهو له تعالى ، فإذا خرج العبد من جميع أسمائه كلها ، التي تقتضيها جبلته والصورة التي خلق عليها ، حتى لا يبقى منه سوى عينه ، بلا صفة ولا اسم سوى عينه ، حينئذ يكون عند اللّه من المقربين ، وافقنا على هذا القول شيخنا أبو يزيد البسطامي حيث قال : وأنا الآن لا صفة لي ؛ يعني لما أقامه الله في هذا المقام ، فصفات العبد كلها معارة من عند اللّه ، فهي للّه حقيقة ونعتنا بها ، فقبلناها أدبا على علم أنها له لا لنا ، إذ من حقيقتنا عدم الاعتراض ، إنما هو التسليم الذاتي المحض ، لا التسليم الذي هو صفة له ، فإن ذلك له ، فإذا كان العبد ما عنده من ذاته سوى عينه ، بالضرورة يكون الحق جميع صفاته ، ويقول له : أنت عبدي حقا ؛ فما سمع سامع في نفس الأمر إلا بالحق ، ولا أبصر إلا به ، ولا علم إلا به ، ولا حيي ولا قدر ولا تحرك ولا سكن ، ولا أراد ولا قهر ولا أعطى ولا منع ، ولا ظهر عليه وعنه أمر ما هو عينه ، إلا وهو الحق لا العبد ، فما للعبد سوى عينه ، سواء علم ذلك أو جهله ، وما فاز العلماء إلا بعلمهم بهذا القدر في حق كل ما سوى اللّه ، لا أنهم صاروا كذا بعد أن لم يكونوا ، فأنت من حيث هويتك لا نعت لك ولا صفة ، فإن للعالم حكمين ، حكم به صحت المناسبة بينه وبين الحق ، وبها كان العالم خلقا للّه ، ومنسوبا إليه أنه وجد عنه ، فارتبط به ارتباط منفعل عن فاعل ، ولهذا الحكم لم يزل العالم مرجحا في حال عدمه بالعدم ، وفي حال وجوده بالوجود ، فما اتصف بالعدم إلا من حيث مرجحه ، ولا بالوجود إلا من حيث مرجحه ، والحكم الآخر هو من حيث هويته وحقيقته ، لا نعت له من ذاته ، فالحق هو ما يكون به العبد عبدا من جميع الوجوه ، وهو من حيث هويته لا نعت له ولا صفة « 1 » ، فالمحقق لا صفة له لأن الكل للّه ، فلا تقل إن الحق وصف نفسه بما هو لنا مما لا يجوز عليه ، فهذا سوء أدب وتكذيب للحق فيما وصف به نفسه ، بل هو - عند العارف الأديب - صاحب تلك الصفة من غير تكييف ، فالكل صفات الحق وان اتصف بها الخلق ، فهي مستعارة ، ما هو فيها بطريق الاستحقاق عند المحجوب بالطريق التي لا تجوز على الحق ، وما عرف المسكين أن الذي لا يجوز على الحق ، إنما هي تلك النسبة التي نسبتها بها إلى الخلق ، لا عين الصفة « 2 » .
( ف ح 2 / 646 - ح 4 / 13 ، 40 ، 36 ، 39 ، 408 ) .
هامش
( 1 ) إشارة إلى أن حقيقة العبد هي : « لا حول ولا قوة إلا باللّه » .
( 2 ) مثل ما جاء في قول الحق « جعت فلم تطعمني » الحديث .