وصاحب « لا صفة » هو من أهل العهد الخالص ، الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر ، فلو استخلص عهده لكان مخلصا ، وإذا كان مخلصا كان ذا صفة ، فلم يصدق في قوله ، وهو عندنا صادق ، وكذلك نعت المحب بأنه مخلوع النعوت ، فإن المحب لا نعت له يقيد به ولا صفة ، فإنه بحيث يريد محبوبه أن يقيمه فيه ، فنعته ما يراد به ، وما يراد به لا يعرفه ، فهو مخلوع النعوت ، كما أن المشاهدة تعطي البراءة ، من الخلق والأحوال والكرامات والحقائق والمقامات والمنازلات ، وهذا مقام الأعراف ، ورجاله هم أهل الشم والتمييز والسراح عن الأوصاف ، فلا صفة لهم ، ويسمون في الطريق رجال الحد ، وهم الذين لهم التصرف في عالم الأرواح النارية ، عالم البرازخ والجبروت ، فإنه تحت الجبر ، فلهؤلاء الرجال استنزال أرواحها وإحضارها ، وهم لا يتعدون الحدود ، وهم رجال الرحمة التي وسعت كل شيء ، فلهم في كل حضرة دخول واستشراف ، وهم العارفون بالصفات التي يقع بها الامتياز لكل موجود عن غيره ، من الموجودات العقلية والحسية ، وهمة رجال هذا المقام عرشية ، فكما كان العرش للرحمن ، كانت الهمة لهذه المعرفة محلا لاستوائها ، فقيل همته عرشية ، ومقام الشخص من هؤلاء الرجال باطن الأعراف ، وهو السور الذي بين أهل السعادة والشقاوة ، وهم الذين لا تقيدهم صفة ، وإنما كان مقامه باطن الأعراف ، لأن معرفته رحمانية وهمته عرشية ، فإن العرش مستوى الرحمن ، كذلك باطن الأعراف فيه الرحمة كما أن ظاهره فيه العذاب ، فهذا الشخص له رحمة بالموجودات كلها ، بالعصاة والكفار وغيرهم « 1 » .
( ف ح 4 / 57 - ح 2 / 360 - ح 1 / 83 ، 187 ، 251 ) .
فهذا القول الذي صدر من أبي يزيد لا يكون إلا لصاحب مكان ، وهو منزلة في البساط لا تكون إلا لأهل الكمال ، الذين تحققوا بالمقامات والأحوال ، وجازوها إلى المقام الذي فوق الجلال والجمال ، فلا صفة لهم ولا نعت ، ولا يقال في أحد من أهل هذه الطريقة إنه محمدي إلا لشخصين : إما شخص اختص بميراث علم من حكم لم يكن في شرع قبله ، فيقال فيه محمدي ؛ وإما شخص جمع المقامات ثم خرج عنها إلى لا مقام - كأبي يزيد وأمثاله - فهذا أيضا يقال فيه محمدي ، وما عدا هذين الشخصين فينسب إلى نبي من الأنبياء ، كما لا
هامش
( 1 ) إشارة إلى وراثته « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين » .