تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
التي تقتضي البعد فهو بحيث هي ، وهي تقتضي البعد أي من مقام الربوبية ، وقال أبو يزيد لربه في وقت آخر : بم أتقرب إليك ؟ فقال له الحق : اترك نفسك وتعال ؛ وإذا ترك نفسه فقد ترك حكم عبوديته ، لما كانت العبودية عين البعد من السيادة ، فالعبد بعيد من السيد ، فطلب منه في الذلة والافتقار القرب بالعبودبة ، وطلب منه في ترك النفس القرب بالتخلق بأخلاق اللّه ، فإن الأسماء الإلهية إذا ظهر بها العبد عن الأمر الإلهي ، فهو في قرب النيابة عن اللّه ، لا في قرب الحقيقة . ( ف ح 2 / 561 - ح 4 / 231 - ح 3 / 207 - ح 2 / 561 )

قول أبي يزيد : لا صباح لي ولا مساء .

قيل لأبي يزيد : كيف أصبحت ؟ قال : لا صباح لي ولا مساء ، إنما الصباح والمساء لمن تقيد بالصفة ، وأنا لا صفة لي ؛ اعلم أن أصل علم أهل الله - وهو العلم الشريف الإحاطي - هو المقام الذي ينتهي إليه العارفون ، وهو أن لا مقام ، كما وقعت به الإشارة بقوله تعالى
يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ
فهو المقام الأعلى ، يرى العالم فيه نفسه ، ولا يراه أصلا ، فيكشف العالم ولا يكشفه العالم ، فهذا القلب لو تسأل الأيام عنه ما عرفته ، ولو طلب له مكان لم يعقل ، وهذا هو وارث الحق الذي يكشف ولا يكشف ، وهو المحمدي المكمل الذي ليس له مقام فيدرك ، وهذا المقام لا يتقيد بصفة أصلا ، وقد نبه عليه أبو يزيد البسطامي رحمه الله لما قيل له : كيف أصبحت ؟ فقال : لا صباح لي ولا مساء ، إنما الصباح والمساء لمن تقيد بالصفة ، وأنا لا صفة لي ؛ فالصباح للشروق والمساء للغروب ، والشروق للظهور وعالم الملك والشهادة ، والغروب للستر وعالم الغيب والملكوت ، فالعارف في هذا المقام كالزيتونة المباركة ، التي لا هي شرقية ولا غربية ، فلا يحكم على هذا المقام وصف ، ولا يتقيد به ، وهو حظه من
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
و
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
فالمقام الذي هو بهذه المثابة ، هو أصل هذا العلم ، ومن ثمرة هذا العلم أن يعلم أن جميع ما يتسمى به العبد ، ويحق له النعت به وإطلاق الاسم عليه ، لا فرق بينه وبين ما ينعت به من الأسماء الإلهية ، فالكل أسماء إلهية ، فهو في كل ما يظهر به مما ذكروه ، مما تقتضيه العبودية عندهم والصورة ، ليس له وإنما ذلك للّه ، وما له من نفسه سوى عينه ، وعينه ما استفادت