يتصف بصفات الربوبية ، فلا تشم منه رائحة ربوبية أصلا ، حتى في إطلاق لفظ الصفة عليه ، لذلك قال أبو يزيد البسطامي لما حار في القرب ، وما عرف بماذا يتقرب إلى اللّه ، لأنه ما وجد سببا يتقرب به إلى اللّه ، إذ رأى كل نعت يتقرب به إلى اللّه للألوهية فيه مدخل ، فلما عجز قال : يا رب بماذا أتقرب إليك ؟ قال له الحق في سره - بما جرت عادة اللّه مع أوليائه أن يخاطبهم به - تقرب إلي بما ليس لي الذلة والافتقار ؛ وهو ما انفرد به العبد من الصفات دون الرب ، فالفقراء هم الذين يفتقرون إلى كل شيء ، من حيث أن ذلك الشيء هو مسمى اللّه ، فإن الحقيقة تأبى أن يفتقر إلى غير اللّه ، وقد أخبر اللّه أن الناس فقراء إلى اللّه على الإطلاق ، والفقر حاصل منهم ، فعلمنا أن الحق ظهر في صورة كل ما يفتقر إليه فيه ، فلا يفتقر إلى الفقراء إلى اللّه بهذه الآية شيء ، وهم يفتقرون إلى كل شيء ، فالناس محجوبون بالأشياء عن اللّه ، وهؤلاء السادة ينظرون الأشياء مظاهر الحق ، تجلى فيها لعباده ، حتى في أعيانهم ، فيفتقر الإنسان إلى سمعه وبصره ، فسمعه وبصره إذا مظهر الحق ومجلاه ، وكذلك جميع الأشياء بهذه المثابة ، فما ألطف سريان الحق في الموجودات ، وسريان بعضها في بعض ، وهو قوله
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
فالآيات هنا دلالات أنها مظاهر للحق ، فهذا حال الفقراء إلى اللّه ، لا ما يتوهمه من لا علم له بطريق القوم ، فالفقير من يفتقر إلى كل شيء وإلى نفسه ، ولا يفتقر إليه شيء ، فهذه أسنى الحالات ، وقال تعالى
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
أي ليتذللوا لي ، ولا يتذللون لي حتى يعرفوني في الأشياء ، فيذلوا لي لا لمن ظهرت فيهم ، أو ظهرت أعيانهم بكونهم مظاهر لي ، فالفقير يرى أن كل اسم تسمى به شيء مما يعطيه فائدة ، أن ذلك اسم اللّه ، غير أنه لا يطلقه عليه حكما شرعيا وأدبا إلهيا ، والعبد لا يتصف بالقرب من اللّه إلا باسمه ، وهو اسم « العبد » فهو الأصل في القربة الإلهية ، والسبب في ذلك ، أن أصل العبد أن يكون معلولا ولا بد ، والمعلولية له لذاته ، وكل معلول فقير ذليل بلا شك ، فلا شفاء يرجى له من هذه العلة ، فيكون القرب من اللّه قربا ذاتيا أصليا ، فاطلب الحاجة من الحق بلسان الفقر لا بلسان الحكم ، فإن الحق لما قال لأبي يزيد : تقرب إلي بما ليس لي الذلة والافتقار ؛ علم من ذلك ما لإنيّة الحق وما لإنيّة العبد ، فدخل في هذا المقام ، فكان له القرب الأتم ، فجمع بين الشهود والوجود ،