إلى الخلق بالإرشاد وحفظ الشريعة عليهم ، فإن للّه عبادا إذا فجأهم الحق أخذهم إليه ، ولم يردهم إلى العالم وشغلهم به « 1 » ، فالذي لم يرد ما له وجه إلى العالم ، فيبقى هناك واقفا مشاهدا للحق ، وهو المسمى بالواقف ، ومن الواقفين من يكون مستهلكا فيما يشاهده هنالك ، وقد دامت هذه الحالة على أبي يزيد البسطامي ، فإنه كان مستهلكا في الحق ، وكان المراد بالخروج الوراثة النبوية في التبليغ ، فرد إلى الحق وخلعت عليه خلع الذلة والانكسار ، فطاب عيشه ، ورأى ربه فزاد أنسه ، واستراح من حمل الأمانة المعارة ، التي لا بد له أن تؤخذ منه ، والراجع من الأولياء إلى الخلق على قسمين : قسم يرجع اختيارا كأبي مدين ، ومنهم من يرجع اضطرارا مجبورا كأبي يزيد ، لما خلع عليه الحق الصفات التي بها ينبغي أن يكون وارثا ، وراثة إرشاد وهداية ، فقال له : اخرج إلى خلقي بصفتي ؛ فخطا خطوة من عنده فغشي عليه ، فإذا النداء : ردوا عليّ حبيبي فلا صبر له عني ؛ فمثل هذا لا يرغب في الخروج إلى الناس ، وهو صاحب حال ، وأما العالي من الرجال ، وهم الأكابر الذين ورثوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عبوديته ، فإن أمروا بالتبليغ فيحتالون في ستر مقامهم عن أعين الناس ، ليظهروا عند الناس بما لا يعلمون في العادة أنهم من أهل الاختصاص الإلهي ، فيجمعون بين الدعوة إلى اللّه وبين ستر المقام ، فيدعونهم بقراءة الحديث وكتب الرقائق وحكايات كلام المشايخ ، حتى لا تعرفهم العامة إلا أنهم نقلة ، لا أنهم يتكلمون عن أحوالهم من مقام القربة ، هذا إذا كانوا مأمورين ولا بد ، وإن لم يكونوا مأمورين بذلك ، فهم مع العامة التي لم تزل مستورة الحال ، لا يعتقد فيهم خير ولا شر ، أما قول الحق تعالى لأبي يزيد : اخرج إلى خلقي بصورتي ؛ يعني خليفة ، فمن رآك رآني ؛ وهو ظهور صفات الربوبية عليه ، ألا ترى خلفاء الحق في العباد لهم الأمر والنهي ، والحكم والتحكم ، وهذه صفات الإله ، والسوقة مأمورة بالسمع والطاعة ، قال تعالى
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
وعلّمه جميع الأسماء ، وأسجد له الملائكة ، لأنه علم أنهم إليه يسجدون ، فإن الخليفة معلوم أنه لا يظهر إلا بصفة من استخلفه ، فالحكم لمن استخلفه ، فتعظيم العبيد لتعظيم سيدهم لا لنفوسهم ، فلما خطا أبو يزيد خطوة غشي
هامش
( 1 ) وهو أهل الجذب والمجاذيب .