قول أبي يزيد : ما مت حتى استظهرت القرآن .
وهو أنه كان يقرأ القرآن منزلا عليه ، يجد لذة الإنزال ذوقا على قلبه عند قراءته ، فإن للقرآن عند قراءة كل قارىء في نفسه أو بلسانه ، تنزلا إلهيا لابد منه ، فهو محدث التنزل والإتيان « 1 » عند قراءة كل قارىء ، أي قارىء كان ، غير أن الوارث بالحال ، يحس بالإنزال ويلتذ به التذاذا خاصا ، لا يجده إلا أمثاله ، فذلك صاحب ميراث الحال ، وهو الذي قال فيه أبو يزيد : لم أمت حتى استظهرت القرآن ؛ وهو وجود لذة الإنزال من الغيب على القلوب ، وما عدا هذا الصنف ، فإنما يقرؤون القرآن من خيالهم ، فهم يتخيلون صور حروفه المرقومة ، إن كان حفظ القرآن من المصاحف والألواح ، أو يتخيلون صور حروف ما تلقنوه من معلمهم ، هذا إذا كانوا عاملين به ، وأما إذا قرؤوه من غير إخلاص فيه ، فلا يتجاوز حناجرهم ، أي لا يقبل اللّه منه شيئا ، فيبقى في محل تلاوته ، وهو مخرج الصوت ، فلا يقرأ القرآن من قلبه إلا صاحب التنزل ، وهو الذوق الميراثي ، فمن وجد ذلك فهو صاحبه ، يعرف ذلك عند وجوده إياه ، فلا يحتاج فيه إلى معرّف ، فإنه يفرق عند ذلك بين قراءته من خياله ، وبين قراءته عن تنزيل ربه مشاهدة ، ومن جاءه القرآن عن ظهر غيب ، أعطي الرؤية من خلفه كما أعطيها من أمامه ، إذ كان القرآن لا ينزل إلا مواجهة ، فهو للنبي صلى اللّه عليه وسلم من وجهين ، وجه معتاد ووجه غير معتاد ، وهو للوارث من وجه غير معتاد ، فسمي ظهرا بحكم الأصل ، وهو وجه بحكم الفرع ، والذي ينزل القرآن على قلبه ينزل بالفهم ، فيعرف ما يقرأ وإن كان بغير لسانه ، ويعرف معاني ما يقرأ ، وإن كانت تلك الألفاظ لا يعرف معانيها في غير القرآن ؛ لأنها ليست بلغته ، ويعرفها في تلاوته إذا كان ممن ينزل القرآن على قلبه عند التلاوة ، فمن استظهر القرآن هنا بجميع رواياته ، حفظا وعلما وعملا ، فقد فاز بما أنزل اللّه له القرآن ، وصحت له الإمامة ، وكان على الصورة الإلهية الجامعة .
( ف ح 3 / 414 ، 94 ، 93 - ح 4 / 206 )
قول أبي يزيد : « حدثني قلبي عن ربي » .
المقصود من الرواية علو الإسناد وكلما قلّ علا ، وقد عرفنا بذلك فقال
أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ
هامش
( 1 ) إشارة إلى قوله تعالىما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ.