قول أحد العارفين لتلميذه : لو رأيت أبا يزيد مرة ، كان خيرا لك من أن ترى اللّه ألف مرة .
لقي أحد العارفين تلميذا له في زمان أبي يزيد البسطامي ، فقال له : هل رأيت أبا يزيد ؟ فقال التلميذ : رأيت اللّه فأغناني عن أبي يزيد ؛ فقال له العارف : لأن ترى - وفي رواية لو رأيت - أبا يزيد مرة ، كان خيرا لك من أن ترى اللّه ألف مرة ؛ فلما سمع ذلك منه رحل إليه ، فقعد مع العارف على طريقه ، فعبر أبو يزيد وفروته على كتفه ، فقال العارف للتلميذ : هذا أبو يزيد ؛ فنظر إليه فمات من ساعته ، فأخبر العارف أبا يزيد بشأن الرجل ، فقال أبو يزيد : كان يرى اللّه على قدره ، فلما أبصرنا تجلى له الحق على قدرنا ، فلم يطق فمات ، كما صعق موسى ، لأن اللّه من حيث أنا مجلاه ، أعظم من حيث المجلى الذي كان يشهده فيه ذلك المريد ، فما قال العارف للتلميذ الذي استغنى باللّه - على زعمه - عن رؤية أبي يزيد ، لأن يرى أبا يزيد مرة خير له من أن يرى اللّه ألف مرة ، إلا لفضله عليه في العلم باللّه ، لما علم أن ظهور الحق لعباده على قدر علمهم به ، فرؤيتنا اللّه بعلم العلماء به - إذا استفدناه منهم - أتم من رؤيتنا بعلمنا قبل أن نستفيده منهم ، ففي هذا تحريض المتعلمين على طلب العلم من أكابر العلماء ، الذين يعلمون أنهم أعلم باللّه منهم ، ومن ذلك نقول :
إنه من صبر نفسه على ما شرع اللّه له على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، فإن اللّه لابد أن يخرج إليه رسوله صلى اللّه عليه وسلم في مبشرة يراها ، أو في كشف بما يكون له عند اللّه من الخير ، وإنما يخرج إليه صلى اللّه عليه وسلم ، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يتصور على صورته غيره ، فمن رآه رآه لا شك فيه ، بخلاف رؤية الحق ، فإن الحق له التجلي في صور الأشياء كلها ، فالعارف يعتمد على رؤية الرسول ، ولا يغتر برؤية الحق ، ولما كان الأمر هكذا ، علمنا أن رؤيتنا اللّه في الصورة المحمدية بالرؤية المحمدية ، هي أتم رؤية تكون وأصدقها ، فاجهد أن تنظر إلى الحق المتجلي في مرآة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لينطبع في مرآتك ، فترى الحق في صورة محمدية برؤية محمدية ، ولا تراه في صورتك ، كما قال هذا الرجل ، فإن أفضل المرائي وأعدلها وأقومها مرآة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فتجلي الحق فيها أكمل من كل تجل يكون .
( ف ح 3 / 117 ، 215 - ح 4 / 184 ، 203 - ح 3 / 215 - ح 4 / 433 )