تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
موضعا يستحسنه طبعه ، فيشتهي أن يصلي فيه ، أو لفضيلة يعلمها في ذلك الزمان على غيره ، فإن ذلك يؤثر في حاله مع اللّه أثر سوء ، وميزان ذلك الالتذاذ بعمل لا لشهود إلهي ، وهذا من المكر الخفي ، فأغوار النفوس لا يدركها إلا فحول أهل اللّه ، فلا تفرح بالالتذاذ بالطاعات ، ورفع المشقة فيها عنك ، دون ميزان القوم في ذلك ، وقد كان لأبي يزيد في هذا قدم راسخة ، ومن ورع أبي يزيد أنه أوحشه السراج ليلة ، فقال لأصحابه : إني أجد في السراج وحشة ؛ فقالوا : يا سيدنا استعرنا قارورة من البقال لنسوق فيها الدهن مرة ، فسقناه فيها مرتين ؛ فقال : عرفوا البقال وأرضوه ؛ ففعلوا وزالت الوحشة ، وكان رضي اللّه عنه في حال كان وقته التجريد وعدم الادخار ، فقال يوما لأصحابه : فقدت قلبي ، فاطلبوا البيت ؛ فوجدوا فيه معلاق عنب ، فقال : رجع بيتنا بيت البقالين ، فتصدقوا به ، فوجد قلبه . ( ف ح 1 / 717 - ح 2 / 191 - ح 1 / 480 ) .

طلب أبي يزيد للحق :

اتفق لأبي يزيد لما خرج في طلب الحق في أول مرة ، فلقيه بعض الرجال فقال له : ما تطلب يا أبا يزيد ؟ قال : « اللّه » قال له : « الذي تطلبه تركته ببسطام » فتنبه أبو يزيد كيف يطلبه وهو تعالى يقول
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
فرجع إلى بسطام ولزم الخدمة حتى فتح له ، فكان منه ما كان ، فقد يتخيل البعض أن المقصود لا يحصل لهم إلا بمفارقة الوطن ، وأن الحق خارج عن أوطانهم ، كما فعل أبو يزيد لما كان في هذا المقام ، فأراد الغربة والسياحة ، لكن هذا الأمر ليس باختيار العبد ، وإنما صاحب هذا الأمر ، يطلب وجود قلبه مع ربه في حاله ، فإذا لم يجده في موضع ، يقول : ربما أن اللّه تعالى لم يقدّر أن يظهر إلى قلبي في هذا الموضع ، فيرحل عنه رجاء الحصول ، لما علم أن اللّه تعالى قد رتب أمورا ، واقتضى علمه أزلا ، أنه لا يكون كذا إلا بموضع كذا ، وبطالع كذا ، وبسبب كذا ، فلما حكم عليه هذا الإمكان ، وفقد قلبه في بعض المواطن ، عن وجود متقدم أو لا عن وجود ، رحل عن ذلك الموطن رجاء حصول البغية ، هذا سبب اغترابهم عن الأوطان وأمثاله ، فإن بعضهم قد يفارق وطنه لما كان فيه من العزة ، فإذا رأى أنه قد زاد عزا بالزهد والتوبة ، أو لم يكن مذكورا
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 159 | محمود محمود الغراب