تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
رآه ولا شيء ، فجعل تلك الرؤية قبل هذا الشهود ، فقال : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ؛ فكما أن الحق على العبد رقيب في جميع أنفاسه ، كذلك صاحب هذا المقام على الحق رقيب في جميع آثاره ، فكان قوله : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ؛ هي مراقبته للّه تعالى في آثاره ، فلا يبدي سبحانه شيئا ، إلا وهو يراه قبل أن يبديه . ( ف ح 3 / 559 ، 239 - ح 2 / 351 - ح 3 / 239 - ح 1 / 584 - ح 2 / 454 ، 514 - شرح الإسراء ) . جاء في الشرع أن اللّه يأمر الممكن بالتكوين فيتكون ، فلو لا أن له حقيقة السمع ، وأنه مدرك أمر الحق - إذا توجه عليه - لم يتكون ، ولا وصفه اللّه بالتكون ، ولا وصف نفسه بالقول لذلك الشيء المنعوت بالعدم ، فكذلك للممكن جميع القوى ، التي يدرك بها المدركات التي تخص هذه الإدراكات ، فلما أمرها بالتكوين ، لم تجد وجودا تتصف به ، إذ لم يكن ثمّ إلا وجود الحق ، فظهرت صورا في وجود الحق ، فلذلك تداخلت الصفات الإلهية والكونية ، فوصف الخلق بصفات الحق ، ووصف الحق بصفات الخلق ، فمن قال : ما رأيت إلا اللّه ، صدق ، ومن قال : ما رأيت إلا العالم ؛ صدق ، ومن قال : ما رأيت شيئا ، صدق لسرعة الاستحالة وعدم الثبات ، فيقول : ما رأيت شيئا ؛ ومن قال : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ؛ فهو ما قلنا : إن للممكن إدراكا في حال عدمه ، فإذا جاءه الأمر الإلهي بالتكوين ، لم يجد إلا وجود الحق ، فظهر فيه لنفسه ، فرأى الحق قبل رؤية نفسه ، فلما لبسه وجود الحق رأى نفسه عند ذلك ، فقال : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ؛ أي قبل أن يتكون فيه ، فيقبل الحق صورة ذلك الشيء ، فمن لم يعلم الأمر هكذا ، فما علم الحق ولا الخلق ولا هذه النسب
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ
بالصورة للاستحالات
إِلَّا وَجْهَهُ
والضمير في وجهه يعود على الشيء ، فالشيء هالك من حيث صورته ، غير هالك من حيث وجهه وحقيقته ، وليس إلا وجود الحق الذي ظهر به لنفسه ، والعبد ما له إرادة مع سيده ، بل هو بحكم ما يراد به ، فالحق سبحانه هو الواجب الوجود لذاته ، والعبد هو الذي منه استفاد الوجود ، فإن أصله العدم ، ولو أن العقل يدرك الحق بنظره ودليله ، ويعرف ذاته ، لكان مولدا عن عقل الإنسان بنظره ، فلم يولد سبحانه للعقول ، كما لم يولد في الوجود ، ولم يلد بإيجاده الخلق ، لأن وجود
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 138 | محمود محمود الغراب