كشف اللّه هذا السريان لمن كشفه ، ليرى في مرآته صورة الخلق الإلهي ، وكيفية صدور الأشياء وظهورها في الوجود من عنده ، فيرى من أين صدر ذلك الشيء ، فيكون صاحب هذا الكشف خلّاقا ، وهو الذي أراده الحق منه بهذا الكشف ؛ بل يعلم أنه خلاق من هذا الكشف ، ولم يزل كذلك وهو لا يشعر ، فأفاده هذا الكشف العلم بما هو الأمر عليه ، لا أنه بالكشف صار خلاقا ، فأمره اللّه عند ذلك أن يعطي كل شيء حقه من صورته ، كما أعطاه اللّه خلقه في صورته ، فلا يتوجه عليه مطالبة لمخلوق ، كما لا يتوجه على الحق تعالى مطالبة لمخلوق ، هذا ما أعطاه ذلك الكشف من الفائدة ، فإذا أقامه الحق تعالى في فعل من أفعاله ، المأمور بها أو المحجور عليه فيها ، نظر إلى ما لها من الحق قبله ، فوفى ذلك الفعل حقه ، فإن كان من الأمور المأمور بفعلها ، أعطاها حقها في نشأتها ، حتى تقوم سوية الخلق معدلة النشء ، فلم يتوجه لذلك الفعل حق على فاعله ، فلله الخلق وللعبد الحق ، فالحق أعطى كل شيء خلقه ، والخلق أعطى كل شيء حقه ، فدخل الحق في الخلق ، ودخل الخلق في الحق ، في هذه المسألة ، وإن كان من الأمور المنهي عنها ، فحقها على هذا العبد أنه لا يوجدها ، ولا يظهر لها عينا أصلا ، فإن لم يفعل فما وفّاها حقها ، وتوجهت عليه المطالبة لها ، فلم يعط كل شيء حقه ، فلم يقم في الحق مقام الحق في الخلق ، فكان محجوبا ، فسبحان من جعل له في كل شيء بابا ، إذا فتح ذلك الباب وجد اللّه عنده ، وعيّن في كل شيء وجها إلهيا ، إذا تجلى عرف ذلك الوجه من ذلك الشيء ، قال الصديق : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ؛ فإنه لا يراه إلا بعينه ، إذ كان الحق بصره في هذا الموطن ، فيرى نفسه قبل رؤية ذلك الشيء ، والإنسان هو المحل لذلك البصر ، لذلك عدلت الطائفة السعيدة المؤيدة بروح القدس ، إلى التجرد عن أفكارها ، والتخلص عن قيد قواها ، واتصلت بالنور الأعظم ، فعاينت الأمر على ما هو عليه في نفسه ، إذ كان الحق عز وجل بصرها ، فلم تشاهد إلا حقا ، كما قال الصديق ، فيرى الحق ثم يرى أثره في الكون ، وهو الوقوف على كيفية الصدور ، فكأنه عاين الممكنات في حال ثبوتها ، عندما رش على ما رش منها من نوره الأعظم ، فاتصفت بالوجود بعدما كانت تنعت بالعدم ، وهذا مشهد الفناء عن كل ما سوى اللّه ، فإن الصديق أثبت أنه رآه ولا شيء ، ثم أقيم في مشهد آخر ، فرأى صدور الشيء عنه ، وقد كان
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 137
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص١٣٧