لطيفة : من جهل قدر الحق عارفا بجهله ، فهو المقرّب ، ومن لم يعترف بجهله فهو المبعد ، هكذا المعاملة . ( كتاب التراجم / ترجمة الأشياء ) .
قوله : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله :
لما اعتنى اللّه تعالى بمن اعتنى من الإنسان ، وآتاه رحمة من عنده ذكر اسم ربه ، واللّه يقول : أنا جليس من ذكرني ؛ والذاكرون هم جلساء الحق ، فأورثه الذكر مجالسة الحق ، وأورثته المجالسة مشاهدة الحق ورؤيته في الأشياء ، يقول الصديق : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ؛ وعمر : معه ؛ وغيره : بعده ؛ وغيره : فيه ؛ وغيره : ما رأيت شيئا ؛ من غير ارتباط بشيء ، فليس للإنسان طريق إلى أن يعلم ما في وسع القابل من اللّه ، إلا بأن يترك جميع المعلومات وجميع العالم من خاطره ، ويجلس فارغ القلب مع اللّه ، بحضور ومراقبة وسكينة ، وذكر إلهي بالاسم اللّه ، ذكر قلب ، ولا ينظر في دليل يوصله إلى علمه باللّه ، فإذا لزم الباب وأدمن القرع بالذكر ، وهذه هي الرحمة التي يؤتيه اللّه من عنده ، أعني توفيقه وإلهامه لما ذكرناه ، فيتولى الحق تعليمه شهودا ، كما تولى أهل اللّه كالخضر وغيره ، فيعلمه من لدنه علما ، قال تعالى
آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
من الوجه الخاص الذي بينه وبين اللّه ، وهو لكل مخلوق ، إذ يستحيل أن يكون للأسباب أثر في المسببات ، فإذا علم الأشياء كلها من ذلك الوجه ، فهو ملازم لتلك المشاهدة والشؤون الإلهية ، والأشياء تتكون عن اللّه وهو ينطر إليها ، فلا تشغله مع كثرة ما يشاهد من الكائنات في العالم ، وهو مقام الصديق في قوله : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ؛ وذلك لما ذكرناه من شهوده صدور الأشياء عن اللّه بالتكوين ، فهو في شهود دائم ، والتكوينات تحدث ، فما من شيء حادث يحدث عن اللّه ، إلا واللّه مشهود له قبل ذلك الحادث ، لذلك إذا أضيف حكم من أحكام الوجود إلى غير اللّه ، أنكره أهل الشهود خاصة ، وهم الذين لا يشهدون شيئا ولا يرونه إلا رأوا اللّه قبله ، كما قال الصديق عن نفسه ، وما نبّه أحد فيما وصل إلينا على هذا الوجه ، وما يتكون منه في قلب المعتكف على شهوده ، إلا أبو بكر الصديق ، فما يرى الحق إلا الكمل من الرجال ، ويشهده كل أحد ، فإن الرؤية لا يتقدمها علم بالمرئي ، والشهود يتقدمه علم