في نفسه الطالب الاستناد إليه ، ولا يدري ما هو ، ولمتانته لا يقوى الناظر أن ينقله إلى محل اعتقاده ، فمتانته حجابه ، فلا يعرف ، فبالمتانة كان الاستناد ، فاستند إليه كل ممكن يطلب الترجيح ، والعلم بهذا المستند عين نفي العلم به ، على علم بأنه لا يعلم ، لابد من ذلك ، فكانت المعاني المجردة عن المواد - وهي المظاهر القدسية للأسماء ، التي لا تقبل نسبة التشبيه - العلم بها أن لا علم ، كما روي عن الصديق أنه قال : العجز عن درك الإدراك إدراك . ( ف ح 2 / 641 - ح 3 / 555 - ح 4 / 283 ) .
ولما كانت الحيرة « 1 » هي توالي التجليات ، باختلاف أحكامها إلى ما لا نهاية يوقف عندها ، فلا تعلم الإنية الإلهية ، ولا يصح أن تتجلى الهوية ، قال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه في مقام الحيرة ، وكان من رجاله : العجز عن درك الإدراك إدراك ؛ أي إذا علمت أن ثمّ من لا يعلم فذلك هو العلم باللّه تعالى ، فكان الدليل على العلم به عدم العلم به ، واللّه قد أمرنا بالعلم بتوحيده ، وما أمرنا بالعلم بذاته ، بل نهى عن ذلك بقوله
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
يقول الحق الكبير المتعالي : لا يحدني الحد ، ولا يعرفني السيد ولا العبد ، تقدست الألوهة فتنزهت أن تدرك ، وفي منزلتها أن تشرك ، أنت الأنا وأنا أنا ، فلا تطلبني فيك فتعنّى ، ولا من خارج فما تتهنى ، ولا تترك طلبي فتشقى ، فاطلبني حتى تلقاني فترقى ، ولكن تأدب في طلبك ، واحضر عند شروعك في مذهبك ، وميز بيني وبينك ، فإنك لا تشهدني ، وإنما تشهد عينك ، فقف في صفة الاشتراك ، وإلا فكن عبدا وقل : العجز عن درك الإدراك إدراك ، تلحق في ذلك عتيقا ، وتكن المكرم الصدّيقا .
قل لامرىء رام إدراكا لخالقه * العجز عن درك الإدراك إدراك
من دان بالحيرة الغراء فهو فتى * لغاية العلم بالرحمن درّاك
وأي شخص أبى إلا تحققه * فإن غايته جحد وإشراك
فالعجز عن درك التحقيق شمس حجى * جرت بها فوق جو النسك أفلاك
( ف ح 1 / 271 ، 51 )
هامش
( 1 ) راجع الرد على ابن تيمية معنى الحيرة ص - 51 .