تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
فلا سبيل للقوة الذاكرة إليه ، فما بقي إلا تهيؤ العقل لقبول ما يهبه الحق من معرفته جل وتعالى ، فلا يعرف أبدا من جهة الدليل ، إلا معرفة الوجود وأنه الواحد المعبود ، لا غير ، فإن الإنسان المدرك لا يتمكن له أن يدرك شيئا أبدا إلا ومثله موجود فيه ، ولولا ذلك ما أدركه البتة ولا عرفه ، فإذا لم يعرف شيئا إلا وفيه مثل ذلك الشيء المعروف ، فما عرف إلا ما يشبهه ويشاكله ، والباري تعالى لا يشبه شيئا ولا شيء مثله ، فلا يعرف أبدا ، وليس من اللّه في أحد شيء ولا يجوز ذلك عليه بوجه من الوجوه ، فلا يعرفه أحد من نفسه وفكره ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار ، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم ؛ فأخبر عليه السلام بأن العقل لم يدركه بفكره ولا بعين بصيرته ، كما لم يدركه البصر ، وهذا هو الذي أشرنا إليه فيما تقدم ، فإن نفي المماثل للحق الذي لو ثبت ، صح أن يكون العالم بينهما ، فما هو لنا أب ولا نحن أبناء له ، بل هو الرب ونحن العبيد ، فيطلبنا عبيدا ونطلبه سيدا .
تعالى عن التحديد بالفكر والخبر * كما جل عن حكم البصيرة والبصر فليس لنا منه سوى ما يرومه * على كل حال في الدلالات والعبر فأعلم أني ما تحققت غيره * وأعلم أني ما علمت سوى البشر لذا منع الرحمن في وحيه على * لسان رسول اللّه في ذاته النظر فقال ولا تقف الذي لست عالما * به فيكون الناظرون على خطر فلم يولد الرحمن علما ولم يلد * وجودا فحقق من نهاك ومن أمر
ولما لم يكن في الإمكان أن يخلق اللّه - فيما خلق - قوة في موجود ، يحيط ذلك الموجود باللّه علما من حيث قيامها به ، لم يدرك بعقل كنه جلاله ، ولم يدرك ببصر كنه ذاته ، عند تجليه حيثما تجلى لعباده ، فهو تعالى المتجلي الذي لا يدرك الإدراك الذي يدرك فيه هو نفسه ، لا علما ولا رؤية ، فلا ينبغي أن يقفو الإنسان علم ما قد علم أنه لا يبلغ إليه ، لذلك قال الصديق رضي اللّه عنه : العجز عن درك الإدراك إدراك ، فمن لم يدرك إلا بالعجز ، فكيف يوصف المدرك له بتحصيله ؟ ! ( ف ح 1 / 94 ، 95 - ح 3 / 371 ) .