أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه
توفي عام 14 ه
قوله : العجز عن درك الإدراك إدراك .
إن قيل لك : ما هو العلم ؟ فقل : درك المدرك على ما هو عليه في نفسه - إذا كان دركه غير ممتنع - وأما ما يمتنع دركه فالعلم به هو لا دركه ، كما قال الصديق : العجز عن درك الإدراك إدراك ؛ فجعل العلم باللّه هو لا دركه ، فاعلم ذلك ، ولكن لا دركه من جهة كسب العقل كما يعلمه غيره ، ولكن دركه من جوده وكرمه ووهبه كما يعرفه العارفون أهل الشهود ، لا من قوة العقل من حيث نظره ، فما كل أمر يعلم ، ولا كل أمر يجهل ، فأعلم العلماء من علم ما يعلم أنه يعلم وما لا يعلم أنه لا يعلم ، فعلم الصديق أن في الوجود أمرا ما لا يعلم وهو اللّه ، فإنه تعالى لا يعلم من حيث هويته ولا من حيث نفسه ، ولا يحصل من العلم به تعالى في العالم ، إلا أن يعلم العالم أنه لا يعلم وهذا القدر يسمى علما ، وهو علم لا علم ، وهو إدراك الصديق أن ثم أمرا يعجز عن إدراكه . ( ف ح 1 / 93 - ح 3 / 429 - ح 2 / 619 ) .
المعرفة التي يهبها الحق تعالى لمن يشاء من عباده ، لا يستقل العقل بإدراكها ، ولكن يقبلها ، فلا يقوم عليها دليل ولا برهان ، لأنها وراء طور مدارك العقل ، ثم إن الأوصاف الذاتية التي للحق لا تمكن العبارة عنها ، لأنها خارجة عن التمثيل والقياس ، فإنه ليس كمثله شيء ، فكل عقل لم يكشف له من هذه المعرفة شيء ، يسأل عقلا آخر قد كشف له منها ، وليس في قوة ذلك العقل المسؤول ، العبارة عنها ولا تمكن ، ولذلك قال الصديق : العجز عن درك الإدراك إدراك ؛ ولهذا الكلام مرتبتان : فمن طلب اللّه بعقله من طريق فكره ونظره فهو تائه ، وإنما حسبه التهيؤ لقبول ما يهبه اللّه من ذلك ، وأما القوة الذاكرة فلا سبيل أن تدرك العلم باللّه ، فإنها إنما تذكر ما كان العقل قبل علمه ثم غفل أو نسي ، وهو لم يعلمه ،