وذلك للعافين عن الناس ، بل الولي لا ينسى من يعرف الشيخ وإن كان الشيخ لا يعرفه ، فيسأل اللّه تعالى أن يغفر ويعفو عمن سمع بذكره ، فسبّه وذمه أو أثنى عليه خيرا ، وهذا ذقته من نفسي وأعطانيه ربي بحمد اللّه ، ووعدني بالشفاعة يوم القيامة فيمن أدركه بصري ممن أعرف ومن لا أعرف ، وعين لي هذا المشهد حتى عاينته ، ذوقا صحيحا لا أشك فيه ، وهذا مذهب شيخنا أيضا أبي إسحق بن طريف ، وهو من أكبر من لقيته ، ولقد سمعت هذا الشيخ يوما وأنا عنده بمنزله بالجزيرة الخضراء ، سنة تسع وثمانين وخمسمائة ، وقال لي :
يا أخي واللّه ما أرى الناس في حقي إلا أولياء عن آخرهم ممن يعرفني ، قلت له : كيف تقول يا أبا إسحق ؟ فقال : إن الناس الذين رأوني أو سمعوا بي ، إما أن يقولوا في حقي خيرا ، أو يقولوا ضد ذلك ، فمن قال في حقي خيرا وأثنى علي ، فما وصفني إلا بصفته ، فلو لا ما هو أهل ومحل لتلك الصفة ما وصفني بها ، فهذا عندي من أولياء اللّه تعالى ، ومن قال فيّ شرا ، فهو عندي ولي أطلعه اللّه على حالي ، فإنه صاحب فراسة وكشف ، ناظر بنور اللّه ، فهو عندي ولي ، فلا أرى يا أخي إلا وليا للّه » ا ه . هذا حسن اعتقاد الأولياء في أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا ، وتلك فتوتهم ومروءتهم يوم القيامة ، وفي مثل هذا المعنى قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه :
من نال مني أو علقت بذمته * أبرأته للّه شاكر نعمته
كي لا أرى ممن يعوق موحدا * أو من يسوء محمدا في أمته
كلام الشيخ الأكبر في الفتوحات وسائر كتبه :
أما عن كلام الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية وجميع التصانيف التي يثبت نسبتها إليه ، فإليك ما يقوله بنفسه عنها في الجزء الثالث الصفحة 334 : وأما السائحون منهم - أي من الملائكة - فمقامهم المعلوم كونهم - سياحين ، يطلبون مجالس الذكر ، فإذا وجدوا أهل الذكر ، وهم أهل القرآن الذاكرون القرآن ، فلا يقدّمون عليهم أحدا من مجالس الذاكرين بغير القرآن ، فإذا لم يجدوا ذلك ، ووجدوا الذاكرين اللّه لا من كونهم تالين ، قعدوا إليهم ، ونادى بعضهم بعضا : هلموا إلى بغيتكم ؛ فذلك رزقهم الذي يعيشون به وفيه حياتهم ،