تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
الذين تحققوا بقوله تعالى
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
فهم العبيد الصم الشداد ؛ الأشداء الرحماء بينهم ، وعلامتهم الاتصاف بجميع الأحوال ، من فناء وبقاء ، ومحو وإثبات ، وغيبة وحضور ، وجمع وفرق ، إلى ما يقبله الكون من الأحوال ، وكذلك من نعوتهم التي تنسب إلى المقامات المذكورة ، من توكل وزهد وورع ، ومعرفة ومحبة ، وصبر وشكر ، ورضا وتسليم ، إلى سائر المقامات المذكورة في الطريق ، فإن نفوسهم تقبل التغيير والتحويل من حال إلى حال ، ومن مقام إلى مقام ، ولكن ذلك كله للّه ، لما سمعوا دعاءه إياهم من هذه الأمور كلها ، فدخلوا عليه بها ذوقا وحالا ، لا علما واعتقادا ، فإن سائر المؤمنين والعلماء علماء الرسوم ، يعلمون هذه الأمور كلها ، ولكن لا قدم لهم فيها ، فهؤلاء إذا تجلى لهم الحق ، لم يثبتوا لظهوره ، لأن المحدث إذا ظهر له القديم يمحو أثره ، إذ لا طاقة للمحدث على رؤية القديم ، ولهذا جاء الخبر الصحيح الإلهي ، بأن الحق قد يكون بصر العبد وسمعه ، حتى يثبت لظهور الحق في التجلي ، أو في الكلام ، ألا ترى إلى موسى عليه السلام لما كان الحق سمعه ثبت لكلام اللّه فكلمه ، فلما وقع التجلي ، ولم يكن الحق عند ذلك بصر موسى كما كان سمعه ، صعق ولم يثبت ، فلو كان بصره لثبت ، وأما العبيد الآخرون فهم له به ، فيثبتون في كل موطن مهول من حادث وقديم ، للقوة الإلهية السارية في ذواتهم ، فلا يبقى حال ولا مقام إلا ويظهرون به وفيه ، بطريق التحكم به والتصرف فيه ، فهم يملكون الأحوال والمقامات ، ولا يملكهم شيء ، فبه تعالى يسمعون ويبصرون ، ويأكلون ويشربون ، وينامون ويقومون ، وله يسمعون ويبصرون ، ويأكلون ويشربون ، وينامون ويقومون ، وهو قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بعض خطبه في الثناء على اللّه : فإنما نحن به وله ؛ فإذا اجتمع عبدان ، الواحد له بنفسه والآخر له به ، أنكر من هو له بنفسه على من هو له به ، ولم ينكر من هو له به على من هو له بنفسه ، لأنه عبد محض خالص ، والآخر حق محض خالص ، والصورة الظاهرة منهما صورة خلق ، والباطنة ممن هو للّه بنفسه صورة خلق ، والصورة الباطنة من الآخر صورة حق ، فهذا يتصرف بحق في حق لحق ، والآخر يتصرف بخلق في خلق لحق ، ومنهم من يتصرف في حق لحق بخلق ، أعني من الذين هم بأنفسهم ، فخرق العوائد لمن كان للّه بنفسه ، والمنزلة لمن كان باللّه ، فهؤلاء أصحاب كرامات ، وهؤلاء