وإليك أيها القارئ هذه العبارة من الفتوحات المكية ، التي يشير إليها ابن تيمية ، وكأنه قرأها واستوعبها ، أقرأ هذا الكلام في التوحيد ، وقارنه بما ينسبه ابن تيمية إلى الشيخ الأكبر من حلول واتحاد ، وعدم تفريق بين محدث وقديم ، يقول الشيخ الأكبر في الجزء الأول الصفحة 87 : الأصل الثبوت لكل شيء ، ألا ترى العبد حقيقة ثبوته وتمكنه إنما هو في العبودة ، فإن اتصف يوما ما بوصف رباني ، فلا تقل هو معار عنده ، ولكن انظر إلى الحقيقة التي قبلت ذلك الوصف منه ، تجدها ثابتة في ذلك الوصف ، كلما ظهر عينها تحلت بتلك الحلية ، فإياك أن تقول : قد خرج هذا عن طوره بوصف ربه ، فإن اللّه تعالى ما نزع وصفه وأعطاه إياه ، وإنما وقع الشبه في اللفظ والمعنى معا عند غير المحقق ، فيقول : هذا هو هذا ، وقد علمنا أن هذا ليس هذا ، وهذا ينبغي لهذا ، ولا ينبغي لهذا ، فليكن عند من لا ينبغي له عارية وأمانة ؛ وهذا قصور وكلام من عمي عن إدراك الحقائق ، فإن هذا ولا بد ينبغي له هذا ، فليس الرب هو العبد ، وإن قيل في اللّه سبحانه : إنه عالم ، وقيل في العبد : إنه عالم ، وكذلك الحي والمريد والسميع والبصير وسائر الصفات والإدراكات ، فإياك أن تجعل حياة الحق هي حياة العبد في الحد ، فلتزمك المحالات ، فإن جعلت حياة الرب على ما تستحقه الربوبية ، وحياة العبد على ما يستحقه الكون ، فقد انبغى للعبد أن يكون حيا ، ولو لم ينبغ له ذلك لم يصح أن يكون الحق آمرا ولا قاهرا إلا لنفسه ، ويتنزه تعالى أن يكون مأمورا أو مقهورا ، فإذا ثبت أن يكون المأمور والمقهور أمرا آخرا ، وعينا أخرى ، فلا بد أن يكون حيا عالما ، مريدا متمكنا مما يراد به ، هكذا تعطي الحقائق .
شرح ما قاله الشيخ الأكبر للجنيد رضي اللّه عنهما مما لم يفهمه ابن تيمية :
فإن قلت : بيّن لنا معنى ما قاله الشيخ الأكبر في هذا التجلي ، الذي رأى فيه الجنيد ، وماذا يريد ؟ قلنا : هو يبينه في كتابه الفتوحات المكية ، في الجزء الرابع الباب الخمسين وأربعمائة الصفحة 64 فيقول رضي اللّه عنه : اعلم أن عباد اللّه الذين أهلهم اللّه له ، واختصهم من العباد ، على قسمين : عباد يكونون له به ، وعباد يكونون له بأنفسهم ، وما عدا هؤلاء فهم لأنفسهم بأنفسهم ، ليس للّه منهم شيء ، فلا كلام لنا مع هؤلاء فإنهم جاهلون ، ونعوذ باللّه أن نكون من الجاهلين ، فأما العباد الذين هم له تعالى بأنفسهم ، فهم