الثاني الصفحة 358 : لأن عقله قيّده ، فعقله قيده ، وما خاطب تعالى إلا العقلاء ، وهم الذين تقيدوا بصفاتهم ، وميزوها عن صفات خالقهم ، فلما وقع التباين حصل التقييد ، فكان العقل ، ولهذا أدلة العقول ، تميز بين الحق والعبد ، والخالق والمخلوق ، فمن وقف مع عقله في حال حبه ، لم يتمكن أن يقبل من سلطان الحب إلا ما يقتضيه دليله النظري ، ومن وقف مع قبول عقله لا مع نظر عقله ، فقبل من الحق ما وصف به نفسه ، تحكم فيه سلطان الحب بحسب ما قبله عقله من ذلك ، فالعقل بين النظر والقبول .
الجزء الثاني الصفحة 22 :
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
وقال صلى اللّه عليه وسلم : لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن صاحبكم خليل اللّه ؛ والمخاللة لا تصح إلا بين اللّه وبين عبده ، وهو مقام الاتحاد ، ولا تصح المخاللة بين المخلوقين ، وأعني من المخلوقين من المؤمنين ، ولكن قد انطلق اسم الأخلاء على الناس مؤمنيهم وكافريهم ، فالخلة هنا المعاشرة ، وإنما قلنا : لا تصح الخلة إلا بين اللّه وبين عبده ، لأن أعيان الأشياء متميزة ، وكون الأعيان وجود الحق لا غير ، ووجود الشيء لا يمتاز عن عينه ، فلهذا لا تصح الخلة إلا بين اللّه وعبيده خاصة ، إذ هذا الحال لا يكون بين المخلوقين ، لأنه لا يستفاد من مخلوق وجود عين .
فيأبى الإمام ابن تيمية رغم هذا التوضيح ، إلا أن يقول له : لا أنت إمام الاتحادية ، وإنك تقول : إن وجود المحدث هو عين وجود القديم .
معنى الاتحاد عند الشيخ الأكبر :
وأما شرح معنى الاتحاد ، فإليك ما يقوله الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه ، يقول في الجزء الثاني من الفتوحات المكية الصفحة رقم 130 : الاتحاد تصيير الذاتين ذاتا واحدة ، إما عبد وإما رب ، ولا يكون إلا في العدد وفي الطبيعة ، وهو حال . ا ه - أي لا يكون إلا في الأعداد ، أي أن واحدا وواحدا اتحدا وكونا العدد اثنين ، وفي الطبيعة الأوكسجين والهيدروجين اتحدا فكونا ماء ، ولا يكون الاتحاد إلا في الأعداد والطبيعة ، ويشرح معنى الاتحاد الذي يذكره في مؤلفاته ، ولا يجعل مجالا للشك ولا للتأويل فيما يعنيه ، إلا لمغرض أو سقيم فهم ، فنجده يقول في الجزء الأول من الفتوحات المكية الصفحة 496 في كتاب الصوم :