حواسك نجوم سمائك ، ومفيض العرق من بدنك بحر أرضك ، فإذا رمت العظام فقد نسفت الجبال نسفا ، وإذا أظلم قلبك عند الموت فقد كورت الشمس تكويرا فإذا بطل سمعك وبصرك وساير حواسك فقد انكدرت النجوم انكدارا فإذا انشق دماغك فقد انشقت السماء انشقاقا ، فإذا انفجرت من هول الموت عرق جبينك فقد فجرت البحار تفجيرا ، فإذا التفت أحد ساقيك بالأخرى وهما مطيتاك فقد عطلت العشار تعطيلا . فإذا فارق الروح الجسد فقد ألقت الأرض ما فيها وتخلت « 1 » .
واعلم أنّ أهوال القيامة الكبرى أعظم بكثير من أهوال هذه الصغرى ، وهذه أمثلة لأهوال تلك ، فإذا قامت عليك هذه بموتك ، فقد جرى عليك ما كان جرى على كل الخلق فهي أنموذج للقيامة الكبرى ، فإنّ حواسك إذا عطلت فكأنما الكواكب قد انتثرت إذ الأعمى يستوي عنده الليل والنهار ، ومن انشق رأسه فقد انشقت السماء في حقه إذ من لا رأس له لا سماء له .
ونسبة القيامة الصغرى إلى القيامة الكبرى كنسبة الولادة الصغرى . وهي الخروج من الصلب والترائب إلى فضاء الرحم ؛ إلى الولادة الكبرى وهي الخروج من الرحم إلى فضاء الدنيا ، ونسبة سعة عالم الآخرة الذي يقدم عليه العبد بالموت إلى فضاء الدنيا كنسبة فضاء الدنيا إلى الرّحم بل أوسع وأعظم لا يحصى .
تجالس اثنان من أصحاب القلوب فتذاكرا وتحادثا ساعة وبكيا فلما عزما على الافتراق قال أحدهما للآخر إنّي لأرجو أن لا يكون جلسنا مجلسا أعظم بركة من هذا المجلس فقال الآخر : لكنّي أخاف أن لا تكون جلسنا مجلسا أضر علينا منه ، قال : ولم ؟ قال : ألست قصدت أنت إلى أحسن حديثك ؟ فحدثتني به وقصدت أنا إلى أحسن حديثي فحدثتك به ، فقد تزينت لي وتزينت لك ، فهكذا كانت ملاحظاتهم .
قال لقمان لابنه : يا بني اجعل خطاياك بين عينيك إلى أن تموت ، وأما حسناتك فاله عنها فإنه قد أحصاها من لا ينساها .
لو وجد الجزء للزم صحة كون قطر الفلك الأعلى ثلاثة أجزاء لأنا نفرض قطرا وعن جنبيه وتران ملاصقان له ثم قطع الثالثة بقطر مار من طرف أحد الوترين إلى طرف الآخر فهو مركب من ثلاثة أجزاء ، لعدم إمكان التقاطع على أكثر من جزء . اعترض بعض الأعلام بالاستغناء عن أحد الوترين ، وحينئذ يلزم كون قطر الفلك جزئين ، وهو أبلغ .
هامش
( 1 ) وهذه التوجيهات راجع إلى الآيات التي وردت في أحوال القيامة .