وهو السر الذاتي الذي هو باطن السر الصفاتي ، والمراد بقوله : عن أهله ( 1 ) وهي ما كان يشهده أولا بنظر العادة والآن ، يعني ترقيه كان من مشهد خلقي إلى مشهد حقي ، ولذلك قال : ليقتبس نار اليقظة ( 2 ) أي يعرف المعارف الحقانية اللائقة بمقامه ، الموجودة له في حقيقة عالمه ، فسر رجوعه إلى الحقيقة ، بعد أن رعى أغنام الخليقة ، فرعى الأغنام أولا تعليم الحق - تعالى - لعباده الكمل ، ليرعوا ثانيا ما هو المقصود ، في الخلق لله [ خلق الله ] الواحد المعبود ، واقتباسه من نار النقطة هو ما تجلى الله به عليه ، وتجليه عليه بالتوراة ، والتوراة عبارة عن تجليات الأسماء الصفاتية ، وذلك ظهور الحق - سبحانه وتعالى - في المظاهر الحقية ، فإن الحق - تعالى - نصب الأسماء أدلة على صفاته ، وجعل الصفات دليلا على ذاته في مظاهره ، وظهوره في خلقه واسطة الأسماء والصفات ، فكان تجلي الحق على موسى بما عرفت ، وكون الحق - تعالى - تجلى له في النار لكونه مصطفى مقربا ، فلو تجلى له في غير مطلوبه لأعرض موسى عن ذلك ، لاجتماع همته على مظلوب خاص وهو النار ، فتجلى له ربه بما هو عين مراده ، لئلا يعرض عنه ، فلو أعرض موسى عن الحق فيما لو تجلى له الحق في غير مطلوبه ، لغضب الحق عليه وهو مقرب ، فحاش الحق أن يغضب عليه ، فكان التجلي في النار دون غيرها لهذا السبب ، كما قيل :
كنار موسى يراها عين حاجته * وهو الإله ولكن ليس يدريه
[ أو يجد هدى في نفسه إلى نفسه ]
وقوله : أو يجد هدى في نفسه إلى نفسه ( 3 ) يعني أن لائح تلك النار كان لما ذكرنا أولا ، إذ كان ليجد هدى ، وهو المشي على الصراط السوي لمن اهتدى في نفسه ، لأن هداية الإنسان من الله تعالى ، وإيصال تلك الهداية من الله إلى العبد هو إلقاء الحق في قلب عبده ما شاء أن يهديه به ، ولهذا قال : إلى نفسه يعني يجد هدى من الله إلى الله ،