ولأن الحروف والكلمات الواردة في كلام الله القديم بلسان العربي الكريم لها أسرار ومعاني خلاف ما وضعت له في الظاهر مع إبقاء ذلك الوجه الظاهري لأهله وإلا فمعنى إلصاق الباء معروف تقريره عند النحاة كما تقول مررت بزيد فتكون الباء هنا للإلصاق بمعنى أنك ألصقت مرورك بمحل قريب من زيد مجازا أو حقيقة نحوية وأما ورودها للاستعانة من باب الإشارة فكما علمت آنفا بمعنى أنك تبرأ من الحول والقوة وتنسبها إليه من حيث ما هو له بطريق الأصالة وأن ترى الكون كله مسخرا بين يدي الله تعالى وحوله وقوته سارية في جميع مخلوقاته وأن الخلق صنعة بين يدي صانع يقلبه كيف شاء بما شاء على أي حال شاء فإذا علمت ذلك فهمت معنى قوله تعالى :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ
« 1 » وذلك أن الحق جل وعلا رب الأرباب فلكل مربوب حقيقة من ربه وبتلك الحقيقة علمه ذلك المربوب والحقيقة في نفسها واحدة من حيث الحق وهي من حيث كمال قوابل المخلوقات مختلفة فمن كان ذا قابلية كمال كان هو المعني بكمال الخطاب في المعنى المراد من الكلام القديم فتلك الأمثال لمن فهمها وبحقه علمها وإلا فمعنى كون الباء للاستعانة من حيث معنى الظاهر كما هو مقرر عند أهل هذه الصناعة وهم النحويون كقولك كتبت بالقلم فالباء في القلم للاستعانة لما أنك تستعين على الكتابة بالقلم فافهم والله ورسوله أعلم .
هامش
( 1 ) - سورة العنكبوت ( 29 ) : الآية 43 ، والحشر ( 59 ) : الآية 21 .