فإذا جاء المصلي إلى المسجد ليصلي ، وجب عليه خلع نعليه ، لعدم جواز الدخول بهما ، لما فيهما من نجاسة الأرض ، وتلك النجاسة في الإنسان هي كثائف الأكوان التي من جملتها الأرض والطول والعرض ، ولهذا قال : إنك بالوادي المقدس أي المنزه أن يشهد فيه كون ، أو يسمى بلون ، لان الشيء يلتئم مع الشيء بنسبة جامعة بينهما ، ولا نسبة بين التنزيه الإلهي الحقي والتشبيه العبدي الخلقي ، ولهذا قال : وأنت محل التشبيه والدنس يعني كيف يمكنك الوصول إليّ ، وتشهد بتنزيهي بدون خلع تشبيهك من ذاتك ، وترك دنس صفاتك ، وهي قبائحك التي لا ينبغي لمثلك أن تحملها إلى محل ليس بمحل دنس ولا تشبيه ، وإنما هو محل منزه عن جميع تشبيهك وصفاتك الدنسة ، فخلعك نعلي ذاتك وصفاتك ثمرته القدرة على الدخول في الحضرة المنزهة ، ولا يمكن ذلك الدخول إلى تلك الحضرة بدون ذلك ،
[ حتى لا يبقى في القدس إلا التقديس ]
ولهذا قال : حتى لا يبقى في القدس إلا التقديس ( 1 ) يعني إذا أفنيت عنك كل ما عرفت أنه لا بد لك أن تفنيه من كل شيء هالك - البازغ منك ، والدالك - بحيث يبقى القديم لقبول تجلي القديم ، وهو معنى قوله : حتى لا يبقى في القدس إلا التقديس ، وذلك أن العبد إذا أفني عنه كل ما يمكن فنائه ، تجلى الحق على اللطيفة الإلهية ، وهي الوجه الذي في كل شيء في قوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
« 1 » ، فيتجلى الحق إذا على تلك اللطيفة الإلهية ، فيكون ما في القدس إلا التقديس ، يعني ما في الإنسان الذي ذهب عنه ما ذهب إلا الله جل شأنه وتعاظم سلطانه .
فإذا إن شئت قلت : إن العبد فان ، فصدقت حيث أن الحق إنما تجلى على ما له في العبد وهي اللطيفة الإلهية .
هامش
( 1 ) - سورة القصص ( 28 ) : الآية 88 .