نفسه كالخائب والمردود ، وكالمهجور والمطرود ، فلا يزال يقتني نجيبا آخر ويربيه ويطعمه إلى دور السنة ، ثم يفعل ما فعل في العام السابق إلى أن يتوفى في البحر تعشقا منهم للبحر ، كما تتعشق الفراشة بنور السراج ، فلا تزال تلقي ينفسها فيه على أن تفنى وتهلك فيه .
54 - وقال في الفصل الثاني من الكمالات الإلهية :
ولقد أقمت في مشهد محمّديّ في الرّوضة الشّريفة النّبويّة بمدينته - صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم - في تاريخ الرّابع والعشرين من شهر ذي الحجّة الحرام سنة اثنين وثمانمائة ، فرأيته - صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم - بالأفق الأعلى ، والمستوى الأزهى ، حيث لا يقال فيه حيث ، ذاتا محضا صرفا ، متحقّقا بألوهة كاملة جامعة ، وسمعت عن يمينه قائلا يقرأ : » قل هو اللّه أحد « ، يشير بلفظه » هو اللّه « إلى المظهر المحمّديّ ، فقلت كقوله ، فلمّا رجعت إلى العالم الكونيّ وجدت هذه السّورة بكمالها مكتوبة في أسطوانة من أسطوانات الشّبّاك المقابل لضريحه ، ولم أكن أشهد تلك الكتابة قبل ذلك الوقت ، ولم تزل تلك السّورة مكتوبة إلى تاريخنا هذا ، ثم عرفت أنّ الكاتب لتلك السّورة في ذلك المكان إنّما كتبها عبارة عمّا تجلّى عليه من الحقيقة المحمّديّة في مشهد من المشاهد العلّيّة .
55 - وقال في نفس الباب من الكتاب :
ولقد رأيت في أيّام بدايتي في النّوم أنّي أرمي غزالة بالسّهم ، فرميتها سهما فأخطأتها ، ثمّ رميتها بآخر فأخطأتها ، ثمّ رميتها بسهم ثالث فأخطأتها ، فلمّا استيقظت من منامي حصل عندي من ذلك حاصل عظيم ، فحكيت الرّؤيا لبعض الأولياء فقال لي : إنّما رأيت الأمر على حقيقة ما هو عليه . فإنّ الرّسول - صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم - يقول : « لا أحصي ثناء عليك » ، وإذا كانت الحقيقة المحمّديّة بهذه المثابة لم يقع في حقيقة الثّناء على حقيقة الإصابة فكيف تريد أن تصيب هذه الغزالة .
ثمّ حكى أنّه كان قد رأى رؤيا تشبه هذه الرّؤيا بعينها لكن بعبارة أخرى وذكرها لي ثمّ قال :
نهاية هذا الأمر مبنىّ على الحيرة والعجز ، وذلك حقيقة الكمال لمن عرف .
وفي هذا المعنى قلت :
عجزت ولكن عن ظهور حقيقتي * لأنّ سواي ليس يقوى لذالكا
فما في قوى الأكوان وسع لدركها * لتقصيرها عن مقتضى ما هنالكا
فما العجز بي لكن بغيري لاحق * وبي لو تلحقه فحق مقالكا
وفي مثل هذا الشّأن يختار عارف * وكم حيرة لي في وفاء كمالكا