52 - واعلم أن الخضر عليه السلام قد مضى ذكره فيما تقدم ، خلقه اللّه تعالى
من حقيقة
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
« 1 » فهو روح اللّه ، فلهذا عاش على يوم القيامة ، اجتمعت به وسألته ، ومنه أروي جميع ما في هذا البحر المحيط ، واعلم أن هذا البحر المحيط المذكور ، وما كان منه منفصلا عن جبل ( ق ) مما يلي الدنيا فهو مالح وهو البحر المحيط المذكور ، وما كان منه متصلا بالجبل فهو وراء المالح ، فإنه البحر الأحمر الطيب الرائحة ، وما كان من وراء جبل ( ق ) متصلا بالجبل الأسود فإنه البحر الأخضر ، وهو مرّ الطعم كالسم القاتل ، ومن شرب منه قطرة هلك ، وفنى لوقته ؛ وما كان منه وراء الجبل بحكم الانفصال والحيطة والشمول بجميع الموجودات ، فهو البحر الأسود الذي لا يعلم له طعم ولا ريح ، ولا يبلغه أحد ، بل وقع به الإخبار ، فعلم وانقطع عن الآثار فكتم .
وأما البحر الأحمر الذي نشره كالمسك الأفر فإنه يعرف بالبحر الأسمى ذي الموج الأنمى ، رأيت على ساحل هذا البحر رجالا مؤمنين ، ليس لهم عبادة إلا تقرب الخلق إلى الحق ، قد جبلوا على ذلك ، فمن عاشرهم أو صاحبهم عرف اللّه بقدر معاشرتهم ، وتقرب إلى اللّه بقدر مسايرتهم ، وجوههم كالشمس الطالع والبرق اللامع ، يستضيء بهم الحائر في تيهات القفار ، ويهتدي بهم التائه في غيابات البحار ، إذا أرادوا السفر .
53 - وأما البحر الأخضر ، فإنه مرّ المذاق
، معدن الهلاك والإغراق ، يوسف عند العلماء به بخير الصفات ، ويوسم عند عارفيه بأحسن السمات ، ليس فيه حوت ومن يركبه يموت ، رأيته وعلى ساحله مدينة مطمئنة أمينة ، هي المدينة التي وصل إليها الخضر وموسى
اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما
« 2 » وذلك لأنهما لبسا ثياب الفقراء ، وتلك البلدة لا يمكن أن يأكل طعامها إلا الملوك والأمراء ، ثم إني رأيت أهلها مشغوفين بركوب هذا البحر ، ومتعلقين بحب هذا الأمر ، حتى أنهم يجتمعون في رأس كل سنة ، وهو يوم عيدهم ، فيركبون على نجائب متلونة بكل لون ، فأخضر وأحمر وأصفر وغير ذلك ، ويشدون نفوسهم عليها ، ويربطون عصابة على أعين النجب ، ثم يقربونها إلى جانب البحر ، فمن سار به نجيبه إلى البحر هلك هو والنجيب ، ومن أخذ به مركبه عن البحر صفحا فإنه يرجع حيا ، ولكنه في
هامش
( 1 ) - سورة الحجر ( 15 ) : الآية 29 . سورة ص ( 38 ) : الآية 72 ، ( م ق ط ) .
( 2 ) - سورة الكهف ( 18 ) : الآية 77 ، ( م ق ط ) .