واعلم أن ملائكة هذه السماء كلهم مقربون ، ولكل من المقربين منزلة على قدر وظيفته التي أقامه اللّه فيها ، وليس فوقه إلا الفلك الأطلس ، وهو الفلك الكبير ، سطحه هو الكرسي الأعلى ، وبينهما أعني الفلك الأطلس والفلك المكوكب ثلاثة أفلاك وهمية حكمية لا وجود لها إلا في الحكم دون العين . الفلك الأول منها ، وهو الفلك الأعلى على فلك الهيولى ، الفلك الثاني فلك الهباء ، الفلك الثالث فلك العناصر ، وهو آخرهم مما يلي الفلك المكوكب .
وقال بعض الحكماء : ثم فلك رابع ، وهو فلك الطبائع .
واعلم أن الفلك الأطلس هو عرصة سدرة المنتهى ، وهي تحت الكرسي وقد سبق بيان الكرسي ، ويسكن سدرة المنتهى الملائكة الكروبيون ، رأيتهم على هيئات مختلفة لا يحصى عددهم إلا اللّه ، قد انطبقت أنوار التجليات عليهم حتى لا يكاد أحد منهم يحرك جفن طرفة ؛ فمنهم من وقع على وجهه ، ومنهم من جثا على ركبتيه وهو الأكمل ، ومنهم من سقط على جنبه ، ومنهم من جمد في قيامه وهو أقوى ، ومنهم من دهش في هويته ، ومنهم من خطف في إنيته ، ورأيت منهم مائة ملك مقدمين على ثؤلاء جميعهم ، بأيديهم أعمدة من النور مكتوب على كل عمود اسم من أسماء اللّه الحسنى ، يرهبون بها من دونهم من الكروبيين ، ومن بلغ مرتبتهم من أهل اللّه تعالى ، ثم رأيت سبعة من جملة هذه المائة متقدمة عليهم يسمون قائمة الكروبيين ، ورأيت ثلاثة مقدمين على هذه السبعة يسمون بأهل المراتب والتمكين ، ورأيت واحدا مقدما على جميعهم يسمى عبد اللّه ، وكل هؤلاء عالون ممن لم يؤمروا بالسجود لآدم ومن فوقهم كذلك المسمى بالنون والملك المسمى بالقلم وأمثالهما أيضا عالون ، وبقية ملائكة القرب دونهم ، وتحتهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأمثالهم ، ورأيت في هذا الفلك من العجائب والغرائب ما لا يسعنا شرحه » .
51 - وفي البحار السبعة من الباب الثاني والستين :
« رأيت سكان هذا البحر سليمي الاعتقاد سالمين بحسن الظن من فتن الانقياد ، قد وكل اللّه ملائكة التسخير بحفظ هذا البحر الغزير ، هم أهل إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ، وهذا البحر يضرب موجه على ساحل هذه البلدة القريبة وينتفع أهلها بحيتانه العجيبة ، قطر محيط هذا البحر مسيرة سبعة آلاف سنة ، وقد يقطعها المسافر في مثل السنة ، متفرعة في طول الدار غامرة الجواب منها والعمار » .