وبواسطتها تحقق امتزاج الأرواح اللطيفة بالأجسام الكثيفة ، فنسبتها بين الحروف نسبة البخار المتحرك في تجاويف الكبد بالحرارة الطبيعية ، فإنه لولا ذلك البخار لما أمكن امتزاج الروح بالجسم ، لأنهما كلاهما في طرفي النقيض ، فالجسم كثيف ، والروح لطيف ، فأول ما يمتزج الروح بذلك البخار ، ثم يسري بواسطته في الجسم فيمتزج به ، ولأجل ذلك إذا سكنت الحرارة الغريزية الطبيعية وانقطع البخار ، خرجت الروح من الجسم بإذن الله تعالى .
فالباء للطافتها شابهت الألف ، فطولت في بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ولكثافتها شابهت بقية الحروف في جميع الأوضاع الحرفية .
فإذا فهمت هذه المقدمات ، وعلمت تلك المقالات البينات ، أثبت فهمك فيما نلقيه إليك في معنى الباء كما قال المصنف : الباء هي النفس وهي حرف ظلماني وليس في البسملة حرف ظلماني إلا هي ( 1 ) « 1 » وإنما كانت حرفا ظلمانيا لكونها عبارة عن نفسك ، ونفسك ظلمة الظلمات وإليه الإشارة بقوله : ليس في البسملة حرف ظلماني إلا الباء لأن الاسم الله كل حروفه نورانية ، وكذلك الرحمن الرحيم ، والسر في ذلك أن الذات التي النفس المعبر عنها بالباء مظهرها ، أوقعت على ذلك المظهر اسم الغيرية ، وهو المعبر عنه بظلمة الباء من حيث أنها حرف ظلماني كما مر ، ومن ثم كان أول حجاب بين السالك وبين الله نفسه .
ومن ثم يفهم قول العارف : « الكون كله ظلمة ، وإنما أناره وجود الحق » يعني أن النفس ظلمة لكونها أولا مخلوقة من عدم ، وليس العدم إلا الظلمة ، وليس الظلمة إلا العدم ، وإنما أناره - أي أنار الكون - ظهور الحق ، وهو الله الرحمن الرحيم الذي
هامش
( 1 ) - كلمة ممزقة في الصفحة - المحقق .