تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه شرح الكهف والرقيم ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
كيف يكون للحق أمانة وهو أصل الوجود في الظهور والإبانة ؟ فقال : ذاك وصفه ، وهذا شأنه ، ذاك حكمه وهذه عبارته ، الأمانة يجعلها الجاهل في اللسان ويحملها العالم في السرّ والجنان ، والكلّ في حيرة عنه ولم يفز غير العارف بشيء منه ، فقلت : وكيف ذاك ؟ فقال : اعلم أيدك اللّه وحماك أن الحق تعالى جعل أسراره كدرر إشارات مودعة في أسرار عبارات فهي ملقاة في الطريق دائرة على ألسنة الفريق يجهل العلم إشارتها ويعرف الخاص ما سكن عبارتها ، فيؤوّلها على حساب المقتضي ويؤوبها إلى حيث المرتضى ، وهل تأويل الأحلام إلا رشحة من هذا البحر أو حصاة من جنادل هذا القفر ؟ فعلمت ما أشار إليه الصديق ولم أكن قبله جاهلا بهذا التحقيق ، ثمّ تركته وانصرفت في الرفيق الأعلى ونعم الرفيق » .

48 - وفي الباب الثاني والستين :

« وأما السماء السادسة ، فمحتدها من نور الهمة ، وهي جوهر شفاف روحاني أزرق اللون ، وكوكبها مظهر القيومية ونظر الديمومية ذو النور الممد المسمى بالمشتري . رأيت موسى عليه السلام متمكنا في هذا المقام ، واضعا قدمه على سطح هذه السماء ، قابضا بيمينه ساق سدرة المنتهى ، سكران من خمر تجلي الربوبية ، حيران من عزة الألوهية ، قد انطبعت في مرآة علمه أشكال الأكوان ، وتجلت في إنيته ربوبية الملك الديان ، يهول منظره الناظر ، ويزعج أمره الوارد والصادر ، فوقفت متأدبا بين يديه ، وسلمت بتحقيق مرتبته عليه ، فرفع رأيه من سكرة الأزل ورحب بي ثم أهل ، فقلت له : يا سيدي قد أخبر الناطق بالصواب ، الصادق في الخطاب ، أنه قد برزت لك خلعة لن تراني من ذلك الجناب ، وحالتك هذه غير حالة أهل الحجاب ، فأخبرني بحقيقة هذا الأمر العجاب ؛ فقال : اعلم أنني لما خرجت من مصر أرضي إلى حقيقة فرض ، ونوديت من طور قلبي بلسان ربي من جانب شجرة الأحدية في الوادي المقدس بأنوار الأزلية
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي
« 1 » فلما عبدته كما أمر في الأشياء ، وأثنيت عليه بما يستحقه من الصفات والأسماء تجلت أنوار الربوبية لي فأخذني عني ، فطلبت البقاء في مقام اللقاء ، ومحال أن يثبت المحدث لظهور القديم ، فنادى لسان سري مترجما عن ذلك الأمر العظيم ، فقلت :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
فأدخل بأنيتي في حضرة القدس عليك ، فسمعت الجواب من ذلك الجناب
لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
وهي ذاتك المخلوقة من نوري في الأزل ،
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ
بعد
هامش
( 1 ) - سورة طه ( 20 ) : الآية 14 ، ( م ق ط ) .