الأنوار مرصعة بغوامض الأسرار ، من ركب على ظهر ملك من هذه الأملاك طار بجناحه إلى سبعة الأفلاك ، وأنزل الصور الروحانية في القوالب الجسمانية متى شاء وكيف شاء ، فإن خاطبها كلمته ، وإن سألها أعلمته ، جعل اللّه دور فلك هذه السماء مسيرة ثلاث عشرة ألف سنة وثلثمّائة سنة وثلاثا وثلاثين سنة ومائة وعشرين يوما يقطع كوكبها وهو عطارد في كلّ ساعة مسيرة خمسمائة سنة وخمس وخمسين سنة ومائة وعشرين يوما ، فيقطع جميع فلكه في مضي أربع وعشرين ساعة معتدلة ، ويقطع الفلك الكبير في مضي سنة كاملة ، وروحانية الملك الحاكم على جميع ملائكة هذه السماء اسمه نوحائيل عليه السلام ؛ ثمّ رأيت في هذه السماء عجائب من آيات الرحمن وغرائب من أسرار الأكوان لا يسعنا إذاعتها في أهل هذا الزمان ، فتأمل فيما أشرناه وتفكر فيما لغزناه ومن وجودك لا من خارج عنك ، فاطلب حل ما قد رمزناه » .
47 - وفي السماء الثالثة من الباب الثاني والستين :
« رأيت ملائكة هذه السماء مؤتلفة لكن على أنواع مختلفة ، فمنهم من وكله اللّه بالإيحاء إلى النائم إمّا صريحا وإمّا بضرب مثل يعقله العالم ؛ ومنهم من وكله اللّه تعالى بتربية الأطفال وتعليمهم المعاني والأقوال ؛ ومنهم من وكله اللّه بتسلية المهموم وتفريح المغموم ؛ ومنهم من وكله اللّه بالناس المستوحشين ومكالمة المتوحدين ؛ ومنهم من وكله اللّه تعالى بإضرام نيران الحب للمحبين في سويداء اللب ، ومنهم من وكله اللّه بحفظ صورة المحبوب لئلا يغيب عن عاشقه الملهوب ؛ ومنهم من وكله اللّه بإبلاغ الرسائل بين أهل الوسائل . اجتمعت في هذه السماء بيوسف عليه السلام ، فرأيته على سرير من الأسرار كاشفا عن رموز الأنوار عالما بحقيقة ما انعقدت عليه أكلة الأحبار متحققا بأمر المعاني ، مجاوزا عن قيد الماء والأواني ، فسلمت عليه تحية وافد إليه فأجاب وحيا ثمّ رحب بي وبنا ، فقلت له : سيدي أسألك عن قولك :
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
« 1 » أي المملكتين تعني وعن تأويل أي الأحاديث تكنى ، فقال : أردت المملكة الرحمانية المودعة في النكتة الإنسانية ، وتأويل الأحاديث : الأمانات الدائرة في الألسنة الحيوانية ، فقلت له : يا سيدي أليس هذا المودع في التلويح حللا من البيان والتصريح ، فقال : أعلم أن للحق تعالى أمانة في العباد يوصلها المتكلمون بها إلى أهل الرشاد ، قلت :
هامش
( 1 ) - سورة يوسف ( 12 ) : الآية 101 ، ( م ق ط ) .