واعلم أن الباء لمّا تحققت خطاب نقطتها ، واستيقظت من نوم غفلتها ، كما أشار إلى ذلك سيد أهل هذا المقام ، بقوله عليه الصلاة والسلام : « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » ، وما ذاك إلا الذي لاح إليه من النبأ العظيم ، والمقال الجسيم ، حيث قالت : فمن لي بالوقوع في صبح هذا الفجر ؟ ، وهو جمال الذات ، الكاشف عن حجب الظلمات ، في ليل الجهالات ، بإحياء من قد مات ، ولهذا قال قدس سره : وقد قلت : البعد والقرب والكم والكيف من ترتيب وجودك ( 1 ) يعني أن النقطة لما وعظت الياء ، وعرفتها طريق سعادتها في حضرة المناجاة ، قالت الباء : فمن لي بالوقوع أي بالإلقاء - في صبح هذا الفجر ؟ ( 3 ) وهو التجلي الذاتي بالاسم الجمالي ، وأنت قد نفيت عن حقيقة معرفتك الإدراك بالبعد ، لأنك تقول :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
« 1 » .
وبالقرب حيث قلت وقولك الحق :
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
« 2 » .
وبالكم لاستحالة التعدد عليك .
وبالكيف الغير الجائز في حق :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 3 » .
[ فكلما شهدت القول بالترتيب وما لا بد منه ]
وجعلت كل ذلك من ترتيب وجودي ، ولهذا قال : فكلما شهدت القول بالترتيب وما لا بد منه ( 4 ) أي وشهدت ما لا بد من شهوده ، وهو ما أراه من البعدية والقربية والكمية والكيفية سلمت وانصرفت بوجهي إلى عالم شهادتي ولزومي الأدب ( 5 ) أي وإلى لزومي الأدب معك من حيث ما تستحقه ، وأنا لا أدرك ما تستحقه ، سلمت وانصرفت
هامش
( 1 ) - سورة ق ( 50 ) : الآية 16 .
( 2 ) - سورة الصافات ( 37 ) : الآية 180 .
( 3 ) - سورة طه ( 20 ) : الآية 5 .